أزمة المرفق العمومي بفجيج تسائل شعارات تقريب الإدارة من المواطنبقلم: عبد الحفيظ بوبكري
بين البريق النظري لورش “اللاتمركز الإداري” والواقع الميداني المأزوم، يترنح المرفق العام بإقليم فجيج تحت وطأة سكتة تدبيرية غير مسبوقة، تضعه أمام علامات استفهام حارقة حول جدوى الخطابات الرسمية. ففي الوقت الذي تتغنى فيه الحواضر الكبرى بالرقمنة الشاملة وتبسيط المساطر، يواجه المواطن الفجيجي نزيفاً حاداً أفرغ الإدارات من العديد من كفاءاتها البشرية، ليتحول جزء مهم من مؤسسات هذه الواحة الحدودية إلى مجرد “أشباح إسمنتية وبنايات بلا روح”، في تكريس صريح لسياسة التهميش، وتعميقٍ مقلق لإحساس الساكنة بالإقصاء في ثغر حدودي لا يحتمل مثل هذا الاستهتار الإداري.
إن تشريح بنية الإدارات المحلية بفجيج يكشف عن عجز هيكلي صارخ يهدد استمرارية المرفق العام بشمل طبيعي؛ إذ تضافرت موجات التقاعد المتتالية، وحالات الوفيات، وتزايد رخص المرض طويلة الأمد، لتنتج فراغاً إدارياً ممتداً وسط غياب تام لأي تعويض فوري أو فتح لمناصب مالية جديدة. النتيجة؟
بعض الأروقة بمصالح بأكملها باتت مشلولة وعاجزة عن تقديم أبسط خدماتها الأساسية للمرتفقين.
لم يسلم من هذا الشلل الهيكلي حتى الأقسام التقنية -التي من المفترض أن تكون العصب المحرك للاستثمار والأوراش التنموية- وكذا مصالح الصناعة التقليدية، حيث أُفرغت من العديد من كوادرها بالكامل، تاركة الحرفيين والصناع التقليديين يتخبطون في عزلة تامة دون مواكبة.
هذه الأزمة العاصفة لم ترحم حتى أبناء فجيج من مغاربة العالم؛ إذ تحولت عطلهم القصيرة في بلدتهم الأم من صلة رحم إلى كابوس بيروقراطي مظلم. ويتساءل المهاجرون بحرقة واستنكار: ما السر وراء هذا الإصرار الغريب على ترحيل الخدمات إلى “بوعرفة”؟ وما مبرر هذا التماطل غير المفهوم في معالجة ملفاتهم؟ حيث يجد المغترب نفسه مجبراً على هدر زمن عطلته الثمين في ركض ماراطوني مضنٍ بين الإدارات، لمجرد انتزاع وثيقة عادية أو شهادة إدارية كان من المفترض أن تُستصدر بضغطة زر في دقائق.
ولم يتوقف النزيف عند المعاملات الورقية، بل امتد ليعصف بالهوية المعرفية والتربوية للمنطقة، في ظل فراغ مؤسساتي يكرس الركود بسبب غياب المسؤولين الرسميين، وهذه نماذج مما ذكرت:
• دار الثقافة “عابد الجابري”: هذا الصرح الفكري يعيش شللاً ثقافياً مخجلاً لمجرد عجز الدوائر الوصية عن تعيين مدير رسمي يدير برامجها.
• ثانوية “الأمير مولاي رشيد” التأهيلية: صرح تعليمي يترقب منذ مدة تعيين مدير مؤسسة ينقذ السير التربوي ويحمي مستقبل التلاميذ من التخبط.
لقد تضاعفت معاناة الساكنة بقرارات إدارية جائرة قضت بـ”تهجير قسري” للخدمات الحيوية صوب الحاضرة الإقليمية بوعرفة. هذا الترحيل فرض على المواطنين قطع مسافات تتجاوز 100 كيلومتر ذهاباً وإياباً، متكبدين مصاريف مالية باهظة وضياع يومين كاملين من العمل من أجل مساطر روتينية؛ كتجديد رخص السياقة والبطائق الرمادية، أو إجراء الفحص التقني للمركبات الذي تحول إلى كابوس يومي يؤرق المهنيين وأصحاب السيارات.
وفي مفارقة غير مفهومة، يطرح تمركز فرقتي صيانة الكهرباء والاتصالات ببوعرفة تساؤلات كبرى حول الاستهتار بسرعة الاستجابة في حالات الطوارئ، مما يترك واحة فجيج في عزلة رقمية وظلام دامس لفترات طويلة في انتظار وصول فرق الإنقاذ التقني.
ومما يثير الغضب ويفجر المسكوت عنه، ما كشفته المعاينات الميدانية لبعض المصالح الإقليمية ببوعرفة خلال أوقات العمل الرسمية؛ حيث تبين وجود غياب شبه تام لبعض المسؤولين ورؤساء المصالح، ليتفاجأ المواطن بمكاتب مهجورة لا يجد فيها سوى حراس الأمن وموظفي استقبال لا يملكون من أمر الخدمات شيئاً.
إن تجويد الخدمات العمومية هو المحك الحقيقي لمدى جدية الدولة في تنزيل شعاراتها، ولم يعد هناك أي قناع يستر المبررات الواهية. الكرة الآن في مرمى المسؤولين والوزارات الوصية للتدخل العاجل عبر إجراءات رادعة وحاسمة: لفتح مباريات توظيف استثنائية وعاجلة لتعويض الموظفين المتقاعدين والمتوفين وسد الخصاص الجاثم على الإدارات، وإنهاء مهزلة الشغور الإداري والإسراع بتعيين مسؤولين أكفاء على رأس المؤسسات التعليمية والثقافية الشاغرة… وتسريع الرقمنة الفعلية لتمكين الساكنة وجالية العالم من وثائقهم دون تسويف أو مماطلة، والتوطين الفوري لمركز الفحص التقني للمركبات بفجيج لإنهاء رحلات العذاب اليومية، وتفعيل مداومات محلية دائمة لفرق صيانة الكهرباء والاتصالات لضمان التدخل الفوري وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وزجر غيابات مسؤولي المصالح الإقليمية ببوعرفة، وإلزامهم بالوجود في مكاتبهم لخدمة المواطنين.
إن كرامة المواطن الفجيجي واستقراره مقيماً كان أو مغترباً خط أحمر لا يقبل المساومة، وإن وقف هذا التراجع التدبيري لم يعد مجرد مطلب إداري ترفي.. بل هو ضرورة قصوى وصمام أمان لوقف النزيف التنموي وحفظ السلم الاجتماعي في هذه المنطقة الحدودية الغالية التي تستحق الإنصاف لا الإهمال.