✍️ بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في عالم السياسة ، يتبنى البعض أسلوبا مزدوجا في التعامل مع القضايا والمواقف ، يظهرون ما لا يبطنون ، ويخفون نواياهم الحقيقية وراء شعارات براقة ، هذه الظاهرة ليست محصورة في مكان أو زمان ، بل تجدها في مختلف الأنظمة السياسية حول العالم.
في بلدي ، كما في غيره من البلدان ، تتجسد «أرض النفاق» بشكل لافت في العديد من المواقف السياسية التي تثير تساؤلات حول مدى صدق المسؤولين ووعودهم…
كثيرا ما نرى الساسة يرفعون شعارات التغيير والإصلاح ، ومع ذلك ، لا يلبث الواقع أن يكشف عن فجوة واسعة بين الأقوال والأفعال ، على سبيل المثال:
كانت الإنتخابات الأخيرة في البلاد مناسبة لعدد من الوعود بالتغيير ، لكن مع مرور الوقت ، ٱكتشف المواطنون أن تلك الوعود لم تكن سوى وسيلة لربح أصوات الناخبين ، حينما وعد «رئيس الحكومة الحالي» بتحقيق (الدولة الإجتماعية) وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين ، تفاجأ الجميع بقرارات مناقضة ، مثل:
الزيادة في أسعار المحروقات ، والتراجع عن وعود تشغيل الشباب ، ورفع الدعم عن بعض المواد الأساسية… وعوض تقديم تبريرات مقنعة ، يتم اللجوء إلى خطاب المظلومية أو تحميل الحكومات السابقة المسؤولية!
أحد أبرز الأمثلة على هذه الإزدواجية هو تصرفات بعض الأحزاب التي تتعاون مع أطراف سياسية كانت تعتبر خصوما في الماضي!!
ففي بعض الأحيان ، نجد أن التحالفات السياسية في المغرب تبنى على المصالح أكثر من المبادئ ، مما يخلق بيئة من النفاق السياسي.
فالحزب الذي كان بالأمس القريب يهاجم الحكومة السابقة ، متهما إياها بسوء التدبير ، أصبح اليوم يكرر نفس السياسات التي كان يعارضها ، بل ويدافع عنها بشراسة!!!
الأمثلة تتعدد كذلك على مستوى التصريحات الحكومية ، التي تتبنى لغة الإصلاح والعدالة الإجتماعية ، بينما تظل السياسات الفعلية بعيدة عن تلك الشعارات.
قضية الفساد على سبيل المثال ، تثير الكثير من الجدل في المغرب ، الحكومة التي ترفع شعارات محاربة الفساد تتغاضى في بعض الأحيان عن ملفات فساد كبيرة ، بينما تركز على القضايا الصغيرة لتُظهر أمام الرأي العام أنها جادة في محاربة هذه الآفة.
تصريح «رئيس الحكومة السابق» الذي قال:
إن (محاربة الفساد تحتاج إلى الإرادة السياسية) يعكس حقيقة أن الإرادة لا تزال غائبة ، بل إن الفساد أصبح أكثر تطبيعا في بعض المؤسسات.
يظهر هذا النفاق أيضا في التعامل مع قضايا الفئات الإجتماعية المهمشة ، فبينما تتحدث الأحزاب السياسية عن تحسين وضعية الفقراء والمحرومين ، نجد أن السياسات المتخذة على أرض الواقع لا تحدث تغييرات حقيقية ، تتكرر الوعود بتحقيق العدالة الإجتماعية ، لكن دائما ما تكون تلك الوعود مجرد كلام لتلبية ٱحتياجات ٱنتخابية آنية ، دون أن يترجم ذلك إلى إجراءات ملموسة تؤثر على حياة المواطنين بشكل حقيقي.
على سبيل المثال:
وعدت الحكومة الحالية برفع أجور الموظفين والزيادة في الحد الأدنى للأجور ، لكن بعد فترة ، تم التراجع عن تلك الوعود بدعوى الأزمة الإقتصادية ، في حين ٱستمرت الإمتيازات الضخمة للمسؤولين دون تغيير (حرام علينا.. حلال عليهم!).
في الواقع ، تصبح «أرض النفاق» هذه عقبة أمام تقدم المجتمع ، فعندما يشعر المواطنون بأن الساسة ليسوا صادقين في نواياهم ، ينخفض مستوى الثقة في المؤسسات السياسية ، مما يخلق حالة من الإحباط العام…
هذا الإحباط يساهم في زيادة الفجوة بين المواطنين وبين الطبقة السياسية ، مما يجعل من الصعب تحقيق إصلاحات حقيقية.
لكن ، السؤال هنا:
– لماذا يستمر هذا النفاق السياسي؟
– هل هو مرتبط بغياب المحاسبة ، أم بثقافة سياسية متجذرة؟
– أم أن الأمر يتعلق بمنظومة ٱنتخابية تفرز نخبا لا تملك الإرادة الفعلية للتغيير؟
في دول أخرى ، حيث توجد مؤسسات رقابية قوية وإعلام مستقل ، يصبح من الصعب على السياسيين التلاعب بالرأي العام.
أما عندنا.. فضعف المحاسبة وٱستمرار هيمنة المصالح الحزبية يجعل من الصعب كسر هذه الحلقة المفرغة.
الآن ، ونحن على أبواب ٱنتخابات جديدة ، سنشهد نفاقا من نوع آخر ، نفاقا منمقا بكلام معسول ، داخله سم قاتل ، وبأحلام وردية حقيقتها جحيم مظلم…
سيطل علينا الساسة بوعود جذابة وشعارات براقة ، يتحدثون عن التنمية والرفاهية وكأنهم يملكون عصا سحرية ستغير الأوضاع بين ليلة وضحاها.
ستسمع من يقول:
«سنقضي على البطالة ، سنوفر السكن اللائق ، سنرفع مستوى العيش…» ، لكن ما إن ينتهي العرس الإنتخابي حتى يعود المواطنون إلى واقعهم المرير ، ويتبخر كل شيء كأنه لم يكن ، ويبقى مجرد كلام في ( الهوا).
في هذه المرحلة كذلك ، سيتفنن السياسيون في دغدغة مشاعر المواطنين ، مستخدمين كل وسائل الإغراء الممكنة ، بدءا من توزيع الوعود وٱنتهاءا بتقديم بعض الهبات الرمزية لإيهام الفقراء بأن هناك أملا في التغيير.
لكنها ليست سوى مسرحية مكررة ، تتغير فيها الأسماء ، بينما يبقى السيناريو هو نفسه.
وفي النهاية ، يبقى السؤال:
– هل يمكن الخروج من هذه الأرض؟
– هل يستطيع المسؤولون في المغرب (وفي غيره من الدول) أن يتجاوزوا هذه الثقافة السياسية المليئة بالنفاق ، ويقدموا فعلا تغييرات حقيقية؟
الإجابة تكمن في الممارسة الحقيقية للشفافية والمصداقية ، وهو أمر يتطلب إرادة سياسية حقيقية بعيدا عن المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.
فبدون محاسبة ، سيظل «النفاق السياسي» هو القاعدة ، وسيبقى المواطن هو الخاسر الأكبر ، وسيعيد الزمان نفسه.. ولك الله يا مغربي!.