آلية الدفع بعدم دستورية القوانين: المفتاح المفقود لمحاربة الفساد في المغرب

*ذ.سمير بوزيد-

مما لا شك فيه أن الفساد في المغرب يشكل تحدياً وطنياً عميقاً يعرقل التنمية ويهدد المال العام ويضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. فالفساد لا يقتصر على أرقام وتقارير، بل هو واقع ملموس يؤثر على جودة التعليم، الرعاية الصحية، فرص العمل، والبنية التحتية التي يعتمد عليها المواطن البسيط في حياته اليومية. وفي مستهل الحديث، رغم الجهود الحكومية المتواصلة، لا تزال نتائج مكافحة الفساد دون المستوى المطلوب. ومن هذا المنطلق، لا بد من إعادة تقييم شاملة للإطار التشريعي والمؤسسي، مع التركيز على تفعيل آليات قضائية فعالة تضمن حماية الحقوق وترسيخ قيم النزاهة والشفافية.

استنادا إلى ما سبق، لا يمكن مكافحة الفساد بفعالية دون وجود إطار قانوني متطور ومؤسسات قوية. المغرب أحرز تقدماً مهماً عبر تبسيط المساطر، الرقمنة، إصدار قوانين الحق في الحصول على المعلومات، وتعزيز دور المجلس الأعلى للحسابات والهيئات الرقابية. ولكن لا يفوتنا أن نلاحظ وجود فجوات واضحة في التشريعات، خصوصاً فيما يتعلق بوضوح النصوص وشموليتها، فضلاً عن ضعف استقلالية بعض الهيئات الرقابية وقلة الموارد المخصصة لها.

وتأسيسا على ذلك، مثلاً، رغم وجود قانون حماية المبلغين عن الفساد، إلا أن التطبيق العملي لا يزال محدوداً بسبب نقص الضمانات الحقيقية لحماية هؤلاء الأشخاص. وهذا لا يعني أن التشريعات وحدها كافية، بل يجب أن تكون مدعومة بإرادة سياسية قوية وآليات تنفيذ فعالة.

من وجهة نظر تاريخية، تبرز آلية الدفع بعدم دستورية القوانين كأداة قضائية مركزية تتيح للمحاكم وقف تطبيق نص قانوني مخالف للدستور وإحالته للمحكمة الدستورية للفصل فيه. وهذا لا يعني فقط حماية الحقوق الدستورية، بل يمنع استغلال التشريعات لفتح ثغرات للفساد أو تقييد حرية المجتمع المدني.

ولتوضيح ذلك، في دول أخرى اعتمدت هذه الآلية بفعالية، حيث تم إلغاء قوانين أو نصوص تشريعية ساهمت في تفشي الفساد أو الحد من حرية التعبير، مما أدى إلى تعزيز الشفافية والمساءلة. وعلى العكس من ذلك، لماذا لا نُفعّل هذه الآلية في المغرب بشكل جدي؟ ولماذا نسمح لقوانين غير دستورية أن تظل نافذة وتُستغل؟

وفضلا عن ذلك، لا يمكن إغفال دور المجتمع المدني كشريك استراتيجي في مكافحة الفساد. لكن القيود القانونية والإدارية تحد من فعاليته. ونتيجة لذلك، رفع هذه القيود وتمكين المجتمع المدني يتيح له الإبلاغ بحرية، المشاركة في صنع السياسات، والتعاون بشفافية مع الهيئات الرقابية والقضائية.

وتماشيا مع ما تم ذكره، دون تمكين حقيقي للمجتمع المدني، ستبقى جهود الدولة ناقصة، لأن مكافحة الفساد تتطلب مشاركة شعبية واسعة ووعي مجتمعي عميق، وهذا لن يتحقق إلا ببيئة قانونية حرة تضمن حرية التعبير والرقابة.

وعليه، المجلس الأعلى للحسابات هو العمود الفقري للرقابة المالية والإدارية في المغرب. دوره لا يقتصر على التدقيق المالي، بل يشمل تقييم جودة الإدارة وكشف مظاهر سوء التدبير والفساد. ومن الجدير بالملاحظة أن لتعزيز دوره، يجب توسيع صلاحياته، دعم منظومة التصريح بالممتلكات، تعزيز التنسيق مع الهيئات الرقابية والقضاء، رفع الموارد البشرية والمالية، ونشر تقارير شفافة ترفع الوعي العام وتزيد الضغط على الجهات المخالفة.

ولتوضيح ذلك، فقد أشار تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2023 إلى أن 27 حزبا من أصل 33 قدمت حساباتها السنوية، مع احترام 22 حزبا للأجل القانوني، لكنه سجل ملاحظات عدة منها عدم التقييد المحاسبي لمبالغ الدعم الواجب إرجاعها إلى الخزينة من طرف 15 حزبا، وأخطاء محاسبية لدى 11 حزبا، وعدم تقديم بعض الأحزاب لكشوفات بنكية أو جرد تفصيلي للنفقات، مما يعكس ضعف نظم التدبير المالي لدى بعض الأحزاب. كما أشار التقرير إلى أن بعض الأحزاب قامت بإرجاع مبالغ دعم غير مستعملة أو غير مستحقة، بلغت عدة ملايين من الدراهم، مما يؤكد وجود متابعة فعلية من المجلس لكنه دعا إلى تشديد الرقابة لضمان حسن استخدام الأموال العمومية.

وفي جانب آخر، كشف المجلس في تقاريره عن اختلالات في تدبير موارد بعض المؤسسات العمومية والجهوية، مثل ضعف مراقبة الصفقات العمومية وعدم احترام قواعد المنافسة، مما يؤدي إلى تبديد المال العام. وقد أوصى المجلس بتعزيز آليات الرقابة الداخلية وتفعيل العقوبات التأديبية والقضائية ضد المخالفين، مع تحسين الشفافية في العمليات المالية والإدارية. كما سجل المجلس أن بعض المؤسسات لم تلتزم بتقديم تقارير دورية عن تنفيذ توصياته، مما يعيق متابعة الإصلاحات وتحقيق الأهداف المرجوة، ودعا إلى إحداث وحدات متابعة خاصة على مستوى رئاسة الحكومة لضمان تنفيذ التوصيات.

وفي نفس الصدد، مراقبة التسيير ليست مجرد رقابة مالية تقليدية، بل نظام متكامل لقياس الأداء، اكتشاف الانحرافات، وتحليلها لتصحيح المسار. أدوات مثل لوحات القيادة، بطاقة الأداء المتوازن، والمحاسبة التحليلية تساعد في تقديم معلومات دقيقة للإدارة، توقع الأخطاء والمخاطر، وتعزيز الشفافية والحوكمة.

وبناءً على ذلك، هذه الأدوات تمكن المؤسسات من تحسين أدائها الإداري والمالي، والحد من فرص الفساد، عبر رصد الانحرافات المالية والإدارية في الوقت المناسب واتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة.

وتجدر الإشارة إلى أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات والتقارير الرقابية هي أدوات ضغط قوية، لكن فعاليتها تعتمد على نشرها بشفافية، تفعيل آليات متابعة تنفيذ التوصيات، التعاون مع البرلمان والقضاء، وإشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

وخلاصة القول، بدون متابعة حقيقية وتنفيذ صارم للتوصيات، تبقى هذه التقارير مجرد أوراق لا تؤثر على الواقع، مما يضعف مصداقية المؤسسات ويشجع على الإفلات من العقاب.

واستخلاصا لما سلف، يتضح أن تفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين هو الحل الناجع والدوّارني لمكافحة الفساد في المغرب. هذه الآلية تضمن تنقية التشريعات من النصوص التي تفتح ثغرات للفساد أو تقيّد الحريات، حماية الحقوق الدستورية، وتعزيز ثقة المواطنين في النظام القانوني.

وبطبيعة الحال، إلى جانب تحديث التشريعات، تمكين المجتمع المدني، وتعزيز دور الهيئات الرقابية، يشكل هذا الحل المتكامل الطريق الأمثل لبناء دولة قانون قوية تحقق التنمية المستدامة وترسخ قيم النزاهة والشفافية.

ولا مناص من القول إن مكافحة الفساد مسؤولية مشتركة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، تشريعات متطورة، وآليات رقابية فعالة. وعلى صناع القرار والقضاء والمجتمع المدني أن يتكاتفوا لتفعيل هذه الآلية الحيوية، وجعلها في صلب أي استراتيجية وطنية جادة، لتحقيق مستقبل أفضل للمغرب.

لا يمكن لمكافحة الفساد أن تنجح دون تفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، الحصن الأخير لحماية المال العام والدستور. هل سنختار التغيير الحقيقي ونبني مغرباً قوياً ونزيهاً، أم نكتفي بالمراقبة فقط؟ القرار بيدنا، والساعة تدق.

*سمير بوزيد مهتم بقضايا الفساد و حماية المال العام
نائب رئيس سابق للهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب و احد مؤسسيها

Comments (0)
Add Comment