«”إمبراطورية التنازلات” بالحي الجديد بسيدي يوسف بن علي .. وثائق موقعة على بياض، تفويض مثير للجدل، واختفاء سجلات تعود إلى سنة 2012 يستدعي تحقيقا عاجلا

0 3٬432

هل تحولت بعض التنازلات إلى وسيلة لتوسيع البناء العشوائي وفتح الطريق أمام الاستفادة غير المشروعة من التعويضات والبقع الأرضية؟

تعود قضية التنازلات المرتبطة بالعقارات والبنايات العشوائية بمدينة مراكش إلى واجهة النقاش المحلي، وسط تساؤلات متزايدة بشأن استمرار المصادقة على بعض هذه الوثائق منذ سنة 2009 بحسب الصحفي صلاح الدين زندي، خصوصا على مستوى الملحقة الإدارية الحي الجديد بتراب مقاطعة سيدي يوسف بن علي، رغم التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية بشأن منع المصادقة على المحررات العرفية المخالفة للقانون في مجال المعاملات العقارية.

ولم تعد القضية مجرد معاملات إدارية عادية، بل أصبحت تطرح إشكالات مرتبطة بمشروعية الوثائق، وحدود الاختصاصات، واحتمال استغلال بعض الإجراءات الإدارية لتكريس واقع عمراني غير قانوني، بما قد يعرقل المجهودات المبذولة للقضاء على البناء العشوائي ودور الصفيح بالعاصمة السياحية للمملكة.

وثائق موقعة على بياض.. ومعطيات تستوجب التدقيق

في هذا السياق، أثار الصحفي صلاح الدين زندي، من خلال شريط فيديو نشره على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، معطيات مثيرة للانتباه بشأن وثائق قال إنها تحمل توقيعات على بياض، في ارتباط بملف التنازلات.

والأكثر إثارة للتساؤل ما أورده بشأن حصول عون «شاوش» على تفويض للتوقيع على هذه التنازلات، وهي معطيات، إن ثبتت صحتها، تستوجب توضيحاً رسمياً لطبيعة التفويض وحدوده وسنده القانوني، والجهة التي منحته، ومدى احترامه للمساطر الإدارية المعمول بها.

فهل يملك هذا العون بالفعل تفويضا قانونيا يسمح له بالتوقيع على مثل هذه الوثائق؟ وهل يتعلق الأمر بتفويض محدد ومؤطر، أم بممارسة إدارية تجاوزت حدود الاختصاصات المخولة قانونا؟

ثم كيف يمكن تفسير وجود وثائق موقعة على بياض، إذا تأكدت صحتها؟ ومن يتحمل مسؤولية إعدادها وحفظها واستعمالها؟

إنها أسئلة لا يكفي بشأنها الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تتطلب افتحاصا إداريا دقيقا للوثائق الأصلية وسجلات المصادقة والتفويضات المعتمدة، مع الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.

سجلات إدارية يعود بعضها إلى سنة 2012 في عداد المفقودات.. من يتحمل المسؤولية؟

ولم تتوقف المعطيات المثيرة للجدل التي كشف عنها الصحفي صلاح الدين زندي عند حدود الوثائق الموقعة على بياض والتفويض المزعوم الممنوح لعون «شاوش»، بل امتدت، بحسب تصريحاته، إلى الحديث عن فقدان عدد من السجلات الإدارية القديمة بالملحقة الإدارية الحي الجديد، يعود بعضها إلى سنة 2012، وجرى وصفها بأنها أصبحت في عداد المفقودات .

وهنا تبرز تساؤلات أكثر خطورة: كيف تختفي سجلات إدارية رسمية يفترض أن تكون محفوظة داخل المرافق العمومية؟ وهل يتعلق الأمر بضياع عرضي موثق بمحاضر إدارية، أم بإتلاف جرى وفق المساطر القانونية، أم باختفاء يستدعي البحث في ظروفه؟

إن السجلات المتعلقة بالمصادقة على الإمضاءات والوثائق الإدارية لا تمثل مجرد أوراق قديمة، بل تشكل مرجعا أساسيا لتتبع المعاملات والتحقق من تواريخها وأصحابها والمسؤولين عن إنجازها.

وإذا تأكد فقدان سجلات يعود بعضها إلى سنة 2012، فإن الأمر يستدعي افتحاصا شاملا للأرشيف الإداري بالحي الجديد، وتحديد آخر جهة كانت مسؤولة عن حفظ هذه السجلات، والبحث عن محاضر التسليم والتسلم والجرد، والوثائق التي تفسر مصيرها.

كما يطرح احتمال فقدان هذه السجلات إشكالا إضافيا يتعلق بإمكانية التحقق من صحة بعض التنازلات القديمة، خصوصا إذا جرى استعمالها لاحقا لإثبات وضعيات سكنية أو للمطالبة بالتعويضات والبقع الأرضية في إطار عمليات إعادة الإسكان.

فهل توجد نسخ احتياطية من هذه السجلات؟ وهل سبق إشعار الجهات الوصية بفقدانها؟ وهل فتح بحث إداري لتحديد أسباب اختفائها؟

إن خطورة هذه المعطيات، التي لا تزال تحتاج إلى تحقق رسمي، تفرض توسيع نطاق التحقيق المطلوب ليشمل السجلات الإدارية منذ سنة 2012، وليس الاقتصار على التنازلات الحديثة.

فالقضية، في حال ثبوت وجود اختلالات، لن تكون مجرد مسألة مصادقة على توقيعات، وإنما ستتعلق أيضا بسلامة الوثائق العمومية وشفافية تدبير الأرشيف الإداري وحماية حقوق المواطنين.

ويبقى من الضروري التمييز بين السجلات المفقودة والسجلات التي ثبت إتلافها، لأن لكل حالة ظروفها ومسؤولياتها القانونية التي يتعين أن يحددها التحقيق.

التنازلات بين القانون والتعليمات الوزارية

تزداد خطورة هذه التساؤلات بالنظر إلى صدور دورية لوزارة الداخلية بتاريخ 2 يونيو 2026، تشدد على الامتناع عن الإشهاد بصحة الإمضاء في المحررات العرفية التي تتضمن تصرفات عقارية مخالفة للمادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية.

ومع أن هذا المنع يتعلق بالتصرفات العقارية المخالفة للأشكال القانونية المقررة، وليس بكل تنازل كيفما كانت طبيعته، فإن استمرار المصادقة على وثائق يحتمل دخولها ضمن نطاق المنع يستوجب تحديد طبيعتها القانونية والتحقق من مدى مطابقتها للتعليمات الوزارية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تخضع جميع الملحقات الإدارية بمراكش للتطبيق نفسه لهذه التوجيهات، أم أن هناك اختلافا في التعامل مع وثائق مشابهة من إدارة إلى أخرى؟

من التنازلات إلى البناء العشوائي.. حلقة قد تعيد إنتاج الأزمة

لا تتوقف التداعيات المحتملة لهذه الممارسات عند الجانب الإداري، بل تمتد إلى مستقبل السياسة العمومية الرامية إلى القضاء على السكن غير اللائق.

فبحسب المعطيات المتداولة، يسعى بعض الأشخاص إلى الحصول على تنازلات مصادق عليها، أملا في إثبات وضعيات سكنية أو حقوق مزعومة قد تسمح لهم مستقبلا بالمطالبة بالتعويضات أو الاستفادة من بقع أرضية عند تدخل السلطات لهدم البنايات العشوائية.

وإذا ثبت استغلال هذه الوثائق لإحداث وضعيات صورية أو اصطناعية، فإن الأمر قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج البناء العشوائي بدل القضاء عليه.

والأخطر أن يتحول السكن غير القانوني، في بعض الحالات، من وضع اجتماعي يستدعي المعالجة إلى وسيلة محتملة لتحقيق مكاسب عقارية، على حساب الأسر المستحقة فعلا للاستفادة من برامج إعادة الإسكان.

غير أن مجرد الحصول على تنازل أو تقديم طلب للاستفادة لا يشكل في حد ذاته دليلا على الاحتيال، كما أن الاستفادة من التعويضات تخضع لشروط ومساطر مستقلة ينبغي على الجهات المختصة التحقق من احترامها.

مفارقة الهدم من جهة وتكريس الوضعيات من جهة أخرى

تطرح القضية مفارقة تستحق التوقف عندها: كيف يمكن للسلطات أن تكثف عمليات محاربة البناء العشوائي وهدم البنايات المخالفة، بينما تثار في المقابل شبهات بشأن استعمال وثائق إدارية قد تساعد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على تكريس وضعيات سكنية غير قانونية؟

فإن ثبت وجود ارتباط بين بعض التنازلات والتوسع غير المشروع في السكن العشوائي، فإن المجهودات المبذولة لمحاربة هذه الظاهرة قد تتعرض للإفراغ من مضمونها.

إن معالجة دور الصفيح لا يمكن أن تنجح بالهدم وحده، بل تتطلب أيضا ضبط الوثائق المرتبطة بإثبات الوضعيات السكنية، وتحيين لوائح المستفيدين، ومنع أي استغلال محتمل لبرامج إعادة الإسكان لتحقيق منافع لا يستحقها أصحابها.

دعوة إلى والي جهة مراكش آسفي لفتح تحقيق إداري شامل

أمام هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تدخل الجهات المختصة، وعلى رأسها ولاية جهة مراكش آسفي والمصالح المركزية لوزارة الداخلية، لفتح تحقيق إداري نزيه ومستقل يحدد حقيقة ما يجري بشأن التنازلات بالحي الجديد بسيدي يوسف بن علي.

وينبغي أن يشمل التحقيق مراجعة سجلات المصادقة على التنازلات، وفحص الوثائق التي أثيرت بشأنها شبهات التوقيع على بياض، والتحقق من صحة التفويض المزعوم الممنوح للعون المشار إليه، وتحديد طبيعة الوثائق التي جرت المصادقة عليها بعد صدور الدورية الوزارية.

كما يستدعي الأمر البحث في مدى استعمال هذه التنازلات لإثبات حقوق أو وضعيات سكنية بغرض الاستفادة من التعويضات أو البقع الأرضية، مع إحالة أي أفعال يثبت انطواؤها على مخالفات أو جرائم محتملة على الجهات القضائية المختصة.

ومن الضروري، ضمان حق جميع المعنيين في تقديم توضيحاتهم، وعدم ترتيب أي مسؤولية شخصية قبل التحقق من الوقائع.

مراكش تحتاج إلى وضوح إداري لا إلى مزيد من الشبهات

إن الرهان اليوم لا يتعلق بمحاسبة أشخاص قبل إثبات مسؤولياتهم، وإنما بحماية مصداقية الإدارة الترابية، وضمان تطبيق القانون على الجميع، وصيانة حقوق المواطنين الذين يستحقون فعلا الاستفادة من البرامج الاجتماعية والسكنية.

فمراكش، التي تراهن على تأهيل نسيجها العمراني وتحسين ظروف عيش ساكنتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا ظلت ملفات البناء العشوائي والتنازلات المرتبطة به محاطة بالغموض والشكوك.

لقد أصبح فتح تحقيق إداري شفاف ضرورة لتحديد حقيقة هذه الممارسات، والكشف عن مدى قانونيتها، وترتيب المسؤوليات عند ثبوت أي تجاوز.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابا رسميا واضحا:

من يوقع على التنازلات بالحي الجديد ؟ وبأي صفة وتفويض؟ ولمصلحة من تستعمل هذه الوثائق؟ وهل تسهم بعض الممارسات فعلا في إعادة إنتاج البناء العشوائي الذي تنفق الدولة إمكانيات كبيرة للقضاء عليه؟

أسئلة مشروعة تفرضها خطورة الملف، والإجابة عنها مسؤولية الجهات المختصة، بعيدا عن الاتهامات المسبقة أو التساهل مع أي مخالفة قد يثبت وقوعها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.