أزمة “كناش الحالة المدنية” بمراكش: وثيقة سيادية مفقودة ومعاناة يومية للأسر
تعيش عدد من الملحقات الإدارية والمقاطعات التابعة لجماعة مراكش منذ شهور على وقع أزمة خانقة تتمثل في النقص الحاد، بل والانعدام شبه التام، لمطبوع “كناش الحالة المدنية” أو ما يعرف بالدفتر العائلي، وهي الوثيقة الأساسية التي توثق الروابط العائلية وتعد شرطا إلزاميا في جل المساطر الإدارية.
هذا الخصاص غير المسبوق خلف حالة من التذمر والاستياء الواسع في صفوف المرتفقين، حيث باتت رحلة البحث عن “الكناش” أشبه بماراثون يومي بين مقاطعة وأخرى، لتنتهي في الغالب بجواب واحد: “المطبوع غير متوفر حاليا، عد لاحقا”. عبارة باتت تتردد على ألسنة الموظفين، وتزيد من معاناة الأسر التي وجدت نفسها عالقة دون وثيقة تثبت هويتها العائلية.
ولا تتوقف تداعيات هذه الأزمة عند مجرد تعطيل مصلحة إدارية، بل تمتد لتطال حقوقا أساسية. فعشرات الآباء والأمهات ممن رزقوا بمواليد جدد خلال الفترة الأخيرة، وجدوا أنفسهم عاجزين عن تقييد أبنائهم في الدفتر العائلي أو الحصول على كناش جديد، وهو ما يضعهم أمام هاجس حقيقي يتمثل في تجاوز الآجال القانونية لتسجيل المواليد، المحددة في سنة واحدة، وما يترتب عن ذلك من اللجوء إلى مساطر قضائية معقدة ومكلفة تتطلب استصدار أحكام تصريحية بالولادة.
وفي الوقت الذي تتكتم فيه الجهات المسؤولة عن الأسباب الحقيقية لهذا الشح، تتضارب الروايات والتأويلات في الشارع المراكشي. ويرجح متتبعون للشأن المحلي أن يكون الأمر مرتبطا بتعثر في سلسلة التوريد والتوزيع من المطبعة الرسمية التابعة لوزارة الداخلية، أو بارتباك يواكب مرحلة الانتقال نحو الرقمنة التي تعرفها مصالح الحالة المدنية، في حين يرى فاعلون آخرون أن الخلل يكمن أساسا في ضعف التخطيط الاستباقي وعدم استشراف حاجيات المقاطعات التي تعرف كثافة سكانية عالية كالمنارة، سيدي يوسف بن علي، وجليز.
وأمام استمرار هذا الشلل، ارتفعت أصوات فعاليات حقوقية ومدنية بمدينة النخيل، مطالبة وزارة الداخلية وولاية جهة مراكش آسفي بالتدخل العاجل. ودعت هذه الفعاليات إلى ضخ حصص كافية ومستعجلة من الدفاتر العائلية في جميع الملحقات الإدارية، مع إصدار بلاغ توضيحي للرأي العام يكشف ملابسات هذا الانقطاع المتكرر.كما طالبت ذات الجهات بضرورة إقرار تدابير استثنائية ومرنة تراعي وضعية الأسر التي تأخرت في تسجيل مواليدها بسبب انعدام المطبوع، حتى لا تتحول من ضحية لخلل لوجستي إلى متابعة بمساطر قضائية لا يد لها فيها، وذلك صونا لكرامة المواطن وضمانا لحقه الدستوري في الولوج السلس إلى الخدمات العمومية.