سيدي يوسف بن علي من عزلة الإنسان إلى هوية المكان

0 135

ليست المدن العريقة مجرد عمران وأسوار وأزقة بل هي ذاكرة حية تختزن حكايات رجال تركوا بصماتهم في وجدان الناس حتى غدت أسماؤهم جزءا من هوية المكان وروحه ومراكش بما تختزنه من إرث تاريخي وحضاري وروحي تقدم لنا نماذج متعددة لهذه العلاقة العميقة بين الإنسان والأرض ومن أبرزها سيدي يوسف بن علي الصنهاجي الولي الصالح الذي إرتبط إسمه بأحد أعرق أحياء المدينة الحمراء.
إن الحديث عن سيدي يوسف بن علي لا يقتصر على إستحضار شخصية من الماضي بل يفتح أمامنا بابا للتأمل في معاني الصبر والتواضع والكرامة الإنسانية، وفي قدرة الذاكرة الجماعية على الإحتفاظ بسيرة الإنسان حتى بعد رحيله… فكيف إستطاع إسم رجل ارتبطت حكايته بالخلوة والعزلة أن يتحول إلى عنوان لحي بأكمله، وأن يظل حاضرا في الوجدان الشعبي عبر الأجيال؟
تروي الذاكرة الشعبية أن سيدي يوسف بن علي الصنهاجي ابتلي بمرض الجذام، وأنه إختار الإبتعاد عن الناس حتى لا يتسبب في أذى أحد، فآثر الخلوة والعزلة، حيث عاش بعيدا عن الأنظار إلى أن وافته المنية، وفق ما تتناقله الروايات المتوارثة. ومهما إختلفت التفاصيل التي تحتاج إلى التحقق التاريخي، فإن هذه الحكاية تحمل في جوهرها دلالة إنسانية عميقة ،إذ تقدم صورة رجل جعل من معاناته تجربة للصبر، ومن ابتعاده عن الآخرين، كما تروي الذاكرة، تعبيرا عن مراعاة الغير، وقد يبعد المرض الإنسان عن المجتمع لكنه لا يستطيع أن يمحو أثره من ذاكرة الناس ،وقد يعيش المرء في صمت وخلوة، ثم يتحول اسمه، بعد رحيله إلى جزء من هوية جماعية تتوارثها الأجيال فليس كل من عاش بعيدا عن الأضواء غاب عن التاريخ، وليس كل من امتلك القوة والجاه ترك أثرا خالدا في النفوس.
ولعل ارتباط اسم سيدي يوسف بن علي بحي كامل من أحياء مراكش يجسد هذه الحقيقة فالاسم لم يعد مجرد علامة جغرافية، بل أصبح وعاء للذاكرة، ورمزا للانتماء، وجسرا يصل الحاضر بالماضي… إن الأحياء العريقة لا تستمد قيمتها من مبانيها وشوارعها وحدها، بل أيضا من الحكايات التي تسكنها، ومن الشخصيات التي منحتها أسماءها، ومن الروابط الوجدانية التي تجمع سكانها بتاريخهم.
و يتداول بعض الناس اعتقادا شعبيا مفاده أن من يتكبر على الحي أو يسيء إليه قد تصيبه عواقب توصف باللعنة ، غير أن القراءة المتزنة لهذه المعتقدات تقتضي التمييز بين احترام الذاكرة الروحية للمكان وبين الجزم بأمور غيبية لا يمكن إثباتها بمجرد الحكايات المتوارثة ، فكرامة الأحياء لا تحتاج إلى الخوف من اللعنات حتى تصان، واحترام الناس لا ينبغي أن يكون رهين الخشية من العقاب.
إن الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من هذه الذاكرة هو أن التكبر على الناس لا يصنع عظمة، وأن احتقار الأماكن وسكانها يكشف عن ضيق في الرؤية قبل أن يكون إساءة إلى الآخرين ، فالمكان لا يقاس بموقعه في الخريطة، ولا تقاس قيمة الإنسان بالحي الذي ينتمي إليه، بل بما يحمله من قيم وما يقدمه من عمل وما يجسده من احترام للآخرين.

فالماضي مهما بلغت رمزيته، لا ينبغي أن يظل مجرد حكاية تروى، بل يجب أن يتحول إلى مصدر للقيم التي توجه الحاضر، وإذا كانت سيرة الأولياء تذكرنا بالتواضع والصبر والرحمة، فإن أصدق تعبير عن الوفاء لهذه المعاني هو أن نجعلها سلوكا في حياتنا اليومية ، لا مجرد كلمات نستحضرها عند الحديث عن التاريخ.
فسلام على سيدي يوسف بن علي الصنهاجي، وسلام على ذاكرة مراكش التي تحفظ في أحيائها حكايات رجال رحلوا بأجسادهم، لكن أسماءهم بقيت حاضرة في وجدان المدينة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.