القرار 11/9 والجريمة البيئية: من المناصرة إلى تتبع التنفيذ

0 1٬570

تمهيد-

أجرت جريدة بيان مراكش استجواباً صحفياً مع سمير بوزيد، من مؤسسي الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، ونائب سابق لرئيس مكتبها التنفيذي، والكاتب العام لمركز عدالة لحقوق الإنسان، حول القرار 11/9 لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ودليل المجتمع المدني الصادر في شتنبر 2026 بشأن تفعيل هذا القرار، وما يطرحه من أسئلة حول دور المجتمع المدني في تتبع التنفيذ ومراقبة النتائج.

وينطلق هذا الاستجواب من التمييز بين الالتزام السياسي، والتدبير الوطني، والتنفيذ الفعلي، والنتيجة القابلة للتحقق، مع التركيز على الأدلة والوثائق والمعطيات، وتجنب استخلاص نتائج لا تسندها مصادر موثوقة.

كما يتناول كيفية تحويل هذا الإطار من قبل المنظمات المدنية في المغرب إلى عمل توثيقي ومتابعة عملية، وتحديد الفجوات، وصياغة مطالب دقيقة، ثم المساهمة بالنتائج الموثقة في مسارات المتابعة والحوار على المستويين الوطني والدولي.

—

ع-ل. لماذا ينبغي للمجتمع المدني أن يهتم بالقرار 11/9؟ وما الذي يميزه عن قرارات دولية أخرى؟

سمير بوزيد:
تكمن أهمية القرار 11/9 في أنه يتناول العلاقة بين الفساد والجرائم التي تؤثر في البيئة، وهي علاقة تحتاج إلى متابعة تتجاوز مجرد إعلان المبادئ.

فالقرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية المسار، بل باعتباره إطاراً يمكن أن يساعد على طرح أسئلة تتعلق بالمساءلة والوقاية والشفافية والتعاون ومكافحة الفساد المرتبط بالجرائم البيئية.

والتحدي الحقيقي هو الانتقال من الالتزامات السياسية إلى تدابير وطنية يمكن تتبعها والتحقق من تنفيذها ونتائجها.

ع-ل. هل يمثل القرار التزاماً قانونياً ملزماً للدول؟ وماذا يضيف الدليل المدني الذي صدر لاحقاً؟

سمير بوزيد:
ينبغي استعمال المصطلحات بدقة. فالقرار 11/9 اعتمده مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ويعبّر عن التزامات سياسية في إطار المؤتمر، لكنه لا يتحول بذاته إلى قانون وطني جديد.

أما الدليل الصادر عن المجتمع المدني في شتنبر 2026، فهو أداة للمساعدة على متابعة تنفيذ القرار، وليس قراراً دولياً جديداً ولا مصدراً لالتزامات إضافية على الدول.

وتكمن قيمته العملية في مساعدة منظمات المجتمع المدني على تحديد الالتزامات ذات الصلة، ورصد التدابير المتخذة، وتحديد الفجوات، وجمع الأدلة، وصياغة مطالب أكثر دقة.

ع-ل. ما الذي يمنع الدليل من أن يتحول إلى وثيقة أخرى تُقرأ ثم تُنسى؟

سمير بوزيد:
الفرق تصنعه طريقة الاستخدام.

إذا اقتصر الأمر على قراءة الدليل أو الاستشهاد به، فلن يكون أثره كبيراً. أما إذا استُخدم لبناء عملية متابعة فعلية، فيمكن أن يتحول إلى أداة عملية.

ويبدأ ذلك بتحديد الالتزام، ثم جمع الوثائق والمعطيات، وفحص التدابير التي اتُّخذت، ومقارنتها بما هو معلن، وتحديد الفجوات، ثم صياغة مطالب واضحة قابلة للمتابعة.

ع-ل. كيف يمكن للمجتمع المدني أن يميز بين الإعلان عن تنفيذ إجراء وبين تنفيذه فعلاً؟

سمير بوزيد:
يجب التمييز بين أربعة مستويات على الأقل: الإعلان، والتدبير أو القرار، والتنفيذ، والنتيجة.

يمكن توثيق الإعلان من خلال تصريح أو بلاغ رسمي، كما يمكن إثبات وجود قرار أو تدبير من خلال الوثائق القانونية أو الإدارية.

لكن إثبات التنفيذ يحتاج إلى أدلة إضافية، بينما يتطلب إثبات النتائج بيانات أو مؤشرات تسمح بالتحقق منها.

ولهذا فإن وجود قانون أو مؤسسة أو آلية لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات أن التدبير يعمل فعلاً أو أنه حقق النتائج المعلنة.

ع-ل. وما الأدوات التي يحتاج إليها المجتمع المدني للقيام بهذا النوع من التتبع، خصوصاً عندما تكون المعلومات غير متاحة بسهولة؟

سمير بوزيد:
هناك عدة أدوات، من بينها الوثائق الرسمية، والتقارير، والبيانات المنشورة، وطلبات الحصول على المعلومات، والمعطيات الإدارية والقضائية المتاحة، إضافة إلى المقارنة الزمنية بين ما كان معلناً وما تم اتخاذه لاحقاً.

لكن الأهم هو وجود منهج واضح: ما هو المصدر؟ ماذا يثبت؟ وماذا لا يثبت؟

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية والحق في الحصول على المعلومات، لأن التتبع الجاد يحتاج إلى معطيات يمكن فحصها ومقارنتها، وليس إلى انطباعات عامة.

ع-ل. هل يمكن أن يتحول هذا التتبع إلى أداة ضغط ومساءلة للسلطات؟

سمير بوزيد:
يمكن أن تكون النتائج الموثقة أساساً للمناصرة والحوار والمساءلة، شرط أن تكون المطالب دقيقة ومبنية على الأدلة.

فبدلاً من الاكتفاء بالقول إن هناك قصوراً، يمكن تحديد الالتزام المعني، والجهة المسؤولة، والتدبير القائم، والفجوة التي أمكن إثباتها، ثم تحديد الإجراء المطلوب.

بهذه الطريقة تصبح المناصرة أكثر ارتباطاً بالوقائع والوثائق، وتتحول المساءلة من خطاب عام إلى متابعة محددة.

ع-ل. إذا انتقلنا إلى المغرب، ما الذي يمكن قوله اليوم عن مسار تنفيذ القرار 11/9 دون الوقوع في الاستنتاجات غير الموثقة؟

سمير بوزيد:
يمكن تحديد عدد من القوانين والمؤسسات والتدابير المرتبطة بمكافحة الفساد وحماية البيئة والموارد الطبيعية والشفافية، لكن وجود هذه العناصر لا يكفي وحده للقول إن القرار 11/9 قد تم تنفيذه.

والمنهج الأدق هو تحديد الالتزامات ذات الصلة بالسياق المغربي، ثم فحص التدابير التي اتُّخذت بشأنها والأدلة المتاحة على تنفيذها.

والسؤال الأساسي هنا هو: ماذا تثبت الوثائق والمعطيات؟ وما الذي لا يزال يحتاج إلى التحقق؟

ع-ل. ما المنهج العملي الذي يمكن أن تعتمد عليه المنظمات المغربية في هذا التتبع؟

سمير بوزيد:
يمكن اعتماد مسار بسيط ومنظم:

تحديد الالتزام، وتحديد الجهة المسؤولة والتدبير المرتبط به، ثم جمع الوثائق والمعطيات، وتقييم مستوى التنفيذ، وتحديد الفجوات، وأخيراً صياغة مطالب للمتابعة.

ولا ينبغي أن يتحول الأمر إلى مجرد جرد للقوانين والمؤسسات، بل إلى محاولة لمعرفة ما الذي تم اتخاذه، وما الذي تم تنفيذه، وما الذي يمكن إثباته، وما الذي لا يزال يحتاج إلى أدلة إضافية.

ع-ل. هل يستطيع المجتمع المدني أن يتجاوز التتبع إلى التحقيق في قضايا الفساد المرتبطة بالجرائم البيئية؟

سمير بوزيد:
ينبغي التمييز بين التوثيق المدني وبين الاختصاصات التي تعود إلى أجهزة إنفاذ القانون والسلطات القضائية.

فالمجتمع المدني يمكنه جمع وتحليل المعلومات المتاحة للعموم، وتوثيق الوقائع، وطرح الأسئلة، ورصد المخاطر، ومتابعة السياسات والآليات والمؤسسات.

لكن في القضايا القضائية والمالية، يجب عدم تحويل الادعاءات أو الشكايات إلى وقائع ثابتة من دون أدلة كافية، كما يجب عدم الخلط بين مجرد فتح مسطرة أو إجراء بحث وبين ثبوت المسؤولية.

ع-ل. بعد إنجاز هذا التتبع الوطني، ماذا يفعل المجتمع المدني بنتائجه داخل الائتلاف وعلى المستوى الأممي؟

سمير بوزيد:
هنا ينتقل العمل من المتابعة الوطنية إلى المساهمة في المتابعة الدولية.

يمكن للمنظمات توثيق أوجه التقدم والفجوات والممارسات التي يمكن الاستفادة منها، ومشاركة الأدلة والنتائج مع الائتلاف، والمساهمة بها في الحوار والمسارات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

وبذلك لا يقتصر دور المجتمع المدني على التعليق على القرارات الدولية، بل يمكنه أن يساهم في إنتاج الأدلة التي تساعد على فهم مستوى التنفيذ على المستوى الوطني.

ع-ل. ما الذي ينبغي أن تبدأ به المنظمات المغربية الآن، بصورة عملية؟

سمير بوزيد:
الأفضل هو عدم محاولة تغطية جميع الالتزامات دفعة واحدة، بل اختيار عدد محدود من المجالات الأكثر ارتباطاً بالسياق الوطني.

وبالنسبة لكل مجال، يمكن طرح أسئلة محددة: ما هو الالتزام؟ ما التدبير الوطني المرتبط به؟ ما الدليل على وجوده؟ وما الدليل على تنفيذه؟ أين توجد الفجوة؟ وما الإجراء المطلوب؟

وبعد توثيق هذه العناصر، يمكن الانتقال إلى المناصرة والحوار والمتابعة الوطنية، ثم إلى المساهمة في المسارات الدولية ذات الصلة.

ع-ل. ما التوصيات العملية التي يمكن أن يخرج بها المجتمع المدني المغربي من هذا المسار؟

سمير بوزيد:
أقترح خمس خطوات عملية ومترابطة:

أولاً: تحديد الأولويات.
اختيار عدد محدود من الالتزامات الواردة في القرار 11/9 والأكثر ارتباطاً بالسياق المغربي، بدل محاولة متابعة جميع المجالات دفعة واحدة.

ثانياً: بناء ملف توثيقي.
لكل التزام، ينبغي تحديد النصوص والمؤسسات والتدابير ذات الصلة، وجمع الوثائق والمعطيات الرسمية، مع التمييز بوضوح بين ما هو معلن وما يمكن إثبات تنفيذه فعلاً.

ثالثاً: تحديد الفجوات.
بعد جمع المعطيات، يتم تحديد ما ينقص أو ما يحتاج إلى توضيح، وتوجيه أسئلة وطلبات معلومات محددة إلى الجهات المعنية.

رابعاً: تحويل النتائج إلى مناصرة ومتابعة.
لا ينبغي أن ينتهي التوثيق عند إصدار تقرير، بل يجب صياغة مطالب عملية، ومتابعة ردود المؤسسات والتطورات، وتحديث النتائج كلما ظهرت معطيات جديدة.

خامساً: نقل الأدلة إلى المستوى الدولي.
عندما تتوفر نتائج موثقة، يمكن مشاركتها مع الائتلاف والمساهمة بها في عمليات المتابعة والحوار المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، بما يسمح بأن يصبح العمل الوطني جزءاً من المتابعة الدولية للقرار 11/9.

وبهذه الخطوات يمكن للمجتمع المدني أن ينتقل من التعليق على القرار إلى إنتاج أدلة حول تنفيذه، ومن المناصرة العامة إلى متابعة محددة وقابلة للتحقق.

المصدر والوثيقة الأصلية

المصدر الرسمي: Global Civil Society Coalition for the UNCAC، Environmental Crime and Corruption Working Group، Promoting implementation of Resolution 11/9: Preventing and combating corruption as it relates to crimes that affect the environment، 1 September 2026.

Promoting implementation of Resolution 11/9: Preventing and combating corruption as it relates to crimes that affect the environment

إعلان الائتلاف عن الدليل:

صفحة فعالية إطلاق الدليل:

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.