أبناء الجيل الرقمي لا يتكلمون سوى لغة التكنولوجيا، ويعتمدونها في الحملة الانتخابية وفي عالم آخر
جريدة بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
حتى لحظات انطلاق موعد الحملة الانتخابية، بشكل رسمي، في الساعات الأولى من أمس الخميس، كانت هناك حملة أخرى، في عالم آخر، على وشك أن تضع أوزارها.
إنها الحملة الانتخابية في العالم الافتراضي، حيث شنت الأحزاب اقتحاما مبكرا للمنصات الرقمية للتعريف ببرامجها ومرشحيها، في محاولة لإقناع فئة عريضة تسكن وراء الشاشات، يسيطر الترقب على جزء من أعضائها، والباقي عازف عن التصويت.
وإذا كانت أساليب الحملات الانتخابية التقليدية، من توزيع المنشورات والملصقات وتنظيم الجولات في الأسواق والأحياء، إلى عقد التجمعات واللقاءات المباشرة، قد بدأت تفقد، شيئا فشيئا، بريقها أمام صعود جيل رقمي، فإن اعتقادا يسود لدى الأحزاب بكون الحضور القوي للشباب على منصات التواصل، يجعل الاستثمار الرقمي أكثر جاذبية انتخابيا.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، ودفع الأحزاب السياسية إلى اعتماد الرقمنة، هو إلى أي حد سينجح الفاعلون السياسيون، من خلال الوصلات والمناشير والفيديوهات وغيرها من الوسائل التي يعتمدونها في العالم الافتراضي، في بناء الثقة والتفاعل، بشكل إيجابي، مع جيل رقمي يعرف أكثر نسبة عزوف عن التصويت؟
وقبل الجواب عن هذا السؤال الصعب، فلا بأس أن تتطرق جريدة بيان مراكش قليلا عن شباب اليوم، وهو بالمناسبة، شباب يحمل تقريبا نفس الأحلام، ويواجه التحديات نفسها في العالم كله، فأبناء الحاضر وبناته هم أشخاص ولدوا وترعرعوا في عصر الإنترنت، والهواتف الذكية، والتكنولوجيا الرقمية، ولم يعرفوا الحياة بالطريقة التقليدية التي سبقت الثورة الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي جزء طبيعي من حياتهم اليومية.
الأخطر من ذلك، أن أبناء الجيل الرقمي لا يتكلمون سوى لغة التكنولوجيا، فهم يستوعبونها ويتعاملون معها ببديهية وسهولة مطلقة مقارنة بالأجيال السابقة، ومن هذا المنطلق فهم يفضلون التفاعل السريع عبر الرسائل النصية، ومقاطع الفيديو، ومنصات التواصل الاجتماعي بدلا من الوسائل التقليدية، كما يتسمون بالسرعة في استقبال المعلومات، ويميلون إلى نقد المؤسسات التقليدية بسبب بطئها وبيروقراطيتها.
ومن هنا، وفي محاولة لإيجاد بعض عناصر الجواب السابق، فالأحزاب السياسية التي استثمرت انتخابيا في المجال الرقمي، يمكن القول أنها قامت فعلا ببناء أول جسر نحو هذه الفئة المجتمعية المعزولة في عالمها الخاص، فبحسب المختصين، فحملات وسائل التواصل الاجتماعي تستطيع إقناع الشباب الرقمي بالتصويت في الانتخابات، لكن في جميع الأحوال يبقى نجاحها مشروطا بمدى فهم طبيعة هذا الجيل.
ولكي تتوفق الأحزاب السياسية في هذه المهمة، يجب أن تستثمر ماديا وأن تستعين بكفاءات معرفية في هذا المجال، فلكي تكون الحملات مؤثرة، وبحكم أن الشباب، يقضون معظم وقتهم على منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام”، إذن فالحملات التي تستخدم الفيديوهات القصيرة والمحتوى البصري الجذاب هي الأكثر قدرة على الوصول إليهم مقارنة بالوسائل التقليدية كالتلفزيون أو المنشورات الورقية، كما أن هذا الجيل يثق في المؤثرين وصناع المحتوى الذين يشبهونهم أكثر من ثقتهم في الخطابات الحزبية الرسمية، وبالتالي فإشراك مؤثرين يحظون بمصداقية يمكن أن يحول التصويت إلى عمل إيجابي يفتخر به الشاب وغيرهم من المهتمين بالشأن السياسي ؛ وهناك أمر آخر
لا يقل نجاعة عن ما سبق، إذا لا بد من الخطاب السياسي، إذ لا تنجح الحملات الرقمية عندما تبتعد عن لغة الخشب والوعود الفضفاضة، وتقدم بدلا من ذلك شروحات مبسطة حول أهمية صوت الشباب في العملية الانتخابية.
إذن، فالطريق غير مفروش بالورود أمام الأحزاب السياسية، إذ يتوجب عليها أن تغير من طريقة عملها، فلا يمكن أن تخاطب فئة لها خصوصيات حديثة بأساليب قديمة، وإلا فإن حملتها ستواجه بالسخرية إذا لم تكن مدعومة ببرامج واقعية ومقنعة.
وقبل الختم، يجب أن تعي الأحزاب السياسية ، وهي تستعد لحملتها الانتخابية، أن الشباب الرقمي لا يحب التوجيه المباشر، بقدر ما يفضل التفاعل والمشاركة، فالحملات التي تفتح باب النقاش، وتستمع إلى المشاكل، هي التي تستطيع تحريكهم فعليا نحو صناديق الاقتراع لأداء الواجب الوطني بكل قناعة والتصويت على من يستحق ويهتم بشؤون المواطنين
باختصار، السوشل ميديا هي الأداة الأقوى حاليا للوصول إلى الجيل الرقمي، لكنها تظل وسيلة، والخطاب الصادق والبرامج الملامسة لواقع الشباب هي التي تحسم قرار التصويت فعليا بصنادق الاقتراع ولجريدة بيان مراكش العودة إلى الموضوع بمعطيات جديدة تستحق النشر والاهتمام