اختبار 23 شتنبر 2026 أمام محك الثقة بين الصالح والطالح لكسب مقاعد انتخابية
جريدة بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
لا شك أن الانتخابات التشريعية المقررة في ال 23 من شتنبر المقبل، ستشكل اختبارا عسيرا للثقة، وذلك في ظل تنافس حزبي محموم، لا يتناسب مع قواعد اللعب النزيه من جهة، ومن جهة أخرى، يمس بالاختيار الديموقراطي ومصداقية العمل السياسي.
لحد الساعة، لا أحد من الأحزاب السياسية استطاع أن يقدم عرضا مغريا يمكن أن يجذب إليه اهتمام الناخبين، واكتفت كلها تقريبا على اجترار خطاب، أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه صار منفرا، ليس فقط للأجيال السابقة، بل حتى للأجيال الحالية.
أخطر من ذلك، بل هناك من صار يتحدث عن توزيع الحقائب الوزارية حتى قبل إجراء الانتخابات، في مشهد بئيس يعبر بكل الوضوح الممكن، عن أن الممارسة الحزبية تدحرجت حتى لامست الضحالة بكل أنواعها.
انطلاقا من هذا “العبث”، فالسؤال المركزي، الذي يحوم حول محطة الانتخابات، لا يتعلق بمن سيتصدر النتائج، بل إلى أي حد ستنجح هذه الاستحقاقات في استعادة الثقة في العملية السياسية برمتها، وهو بالمناسبة تحد خطير ومصيري..
ومن الأمور التي تدعم هذا الطرح أنه بعد ثلاث محطات انتخابية كبرى أعقبت دستور 2011، نلاحظ اليوم مؤشرات مقلقة على تآكل الرصيد الرمزي للفعل السياسي، وتراجع الأثر التعبوي للأحزاب التقليدية، مقابل تمدد لا مبالاة سياسية عميقة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، خصوصا في صفوف الشباب.
وتتحمل الأحزاب مسؤولية كبيرة في هذا الاتجاه بعد أن فتحت أبوابها لعناصر فاسدة، في إطار سعيها المحموم لكسب مقاعد انتخابية، وهو ما رسخ صورة سلبية للممارسة السياسية، خصوصا في أوساط الشباب، وما زاد الطين بلة، أن الأحزاب ارتكبت خطئا جسيما، لا ندري إن كان، عن قصد أو غير قصد، هو عندما أغلقت على نفسها، وانفصلت عن نبض المجتمع، ولم تعد تمارس تلك الأدوار الحيوية التي كانت تؤديها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وبالتالي، لا يمكن إقناع الناس بالتصويت لمجرد أن المغرب مقبل على تنظيم المونديال، ولا يمكن أن نطلب منهم التصويت في غياب نقاش عمومي حقيقي حول الانتخابات، يستشعرون من خلاله وجود آفاق وأن هذه المؤسسات التي تفرزها الانتخابات تمثلهم وتعكس إرادتهم فعلا.
ومن الأمور الخطيرة أنه في الوقت، الذي يتطور فيه المجتمع بسرعة كبيرة، تبدو البنيات الحزبية جامدة، ومنفصلة، وسجينة أوهام متجاوزة لا تساير دينامية مجتمع حيوي، وهذا الواقع الصعب بات يفرض على الأحزاب أن تجدد كياناتها وتراجع خطاباتها بنفسها، وأن تتخلى عن كل ما من شأنه أن يسيء لها ويقلص دورها في المشاركة في الانتخابات من أجل مقاعد انتخابية أو حقائب وزارية.
على الأحزاب السياسية، باعتبارها أدوات أسياسية لا محيذ عنها في العملية الديموقراطية، أن تعي إكراهات المرحلة الحالية، وبالتالي فهي مطالبة بأن تستثمر في تكوين الكفاءات والتنقيب عنها عوض الاستمرار في هدر المال العام في أمور تافهة، وأن تضع الرجل المناسب في المكان المناسب عوض استقطاب “الأميين” و”أصحاب الشكارة” المؤثرين في الدوائر الانتخابية، سعيا منها للحصول على أكبر عدد من المقاعد.
ولا يخفى على أحد الكلفة الباهظة لهذا التوجه، الذي تسبب، وبشكل مجحف، في استبعاد عدد كبير من الكفاءات، التي وجدت نفسها مرغمة على التراجع إلى الوراء والاكتفاء بدور المتفرج، وهو ما ساهم في خلق حالة من التذمر والإحباط في صفوفها، بعدما كان من المفروض أن تكون في الطليعة.
وقبل الختام لهذا المقال ، يجب على الأحزاب أن تدرك أنها ليست مجرد آليات إدارية للديمقراطية، إنها أساسها الحي، ومن هذا المنطلق، تقع على عاتقها مسؤولية تنظيم النقاش العام، واقتراح مشاريع واضحة، وتجسيد البديل، وتأطير الأجيال الجديدة والعمل على إدماجها.
بلادنا تعاني من مشكل كبير في الثقة، وبدون معالجة لهذه الأعطاب التي أصبح لها طابع بنيوي، فإننا نعرض خيارنا الديموقراطي لخطر حقيقي، في وقت تدخل بلادنا تحديات كبرى وتوجد في خضم صراعات جيواستراتيجية دقيقة جدا، ومن أجل ذلك، يجب أن تكون الجبهة الداخلية قوية ومتماسكة، ولن يتأتى ذلك إلا بمؤسسات منتخبة ذات مصداقية ونزاهة .