حين تباع الديون… من سيحمي المواطن المتعثر؟* …

0 353

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

لم يعد ملف القروض المتعثرة في المغرب مجرد أرقام تظهر في تقارير الأبناك والمؤسسات المالية، بل يبدو أننا أمام مرحلة جديدة قد تغير بشكل كبير الطريقة التي سيتم بها التعامل مع المواطنين والمقاولات التي عجزت عن أداء ديونها.

مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، التابعة لمجموعة البنك الدولي، تستعد بشراكة مع (الشركة الألمانية EOS) لإنشاء آلية ٱستثمارية تصل قيمتها إلى (60 مليون يورو)، بهدف شراء وإدارة جزء من القروض المتعثرة في المغرب.
والحديث هنا ليس عن مبلغ بسيط، خصوصا في ظل تجاوز حجم القروض غير العاملة في القطاع البنكي المغربي حاجز (100 مليار درهم).
لكن السؤال الذي يهم المواطن أكثر هو:
– ماذا يعني هذا بالنسبة لمن عليه قرض ولم يعد قادرا على أدائه؟

ببساطة، قد لا يبقى الدين المتعثر دائما بينك وبين البنك الذي ٱقترضت منه.
فالبنك، بدل أن يحتفظ بقرض متعثر لسنوات، يمكنه أن يبيع جزءا من محفظة هذه القروض إلى مستثمر متخصص في الديون المتعثرة، ومن هنا تنتقل عملية تدبير الدين وٱسترجاعه إلى جهة جديدة.
ولنفترض، على سبيل المثال، أن:
«مواطنا ٱقترض عشرة ملايين سنتيم، ثم أصبح عاجزا عن أداء أقساطه.
فالبنك قد يبيع هذا الدين ضمن مجموعة من القروض المتعثرة بأقل من قيمته الإسمية، لأنه يريد التخلص من جزء من المخاطر وتحسين وضعية محفظته».
أما المستثمر الذي ٱشترى الدين، فهدفه واضح:
«أن يسترجع أكبر قدر ممكن من الأموال التي دفعها لشراء هذه الديون، وأن يحقق هامش ربح».
وهنا يتحول الدين من علاقة مباشرة بين المواطن والبنك إلى أصل مالي قابل للبيع والشراء، وهذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها.
فالمواطن الذي كان يعتقد أن مشكلته ستبقى مع البنك الذي يعرفه، قد يجد نفسه مستقبلا أمام جهة متخصصة في إدارة الديون والتحصيل والتفاوض بشأنها.
لكن من الخطأ أيضا تصوير الأمر وكأن البنك الدولي سيأتي شخصيا لملاحقة كل مواطن متعثر أو سينتزع ممتلكاته مباشرة.
المشروع، وفق المعطيات المعلنة، يتعلق بإنشاء آلية لشراء وإدارة القروض غير العاملة، وليس بإطلاق حملة لمطاردة المدينين.
بل إن معالجة الديون المتعثرة يمكن أن تشمل إعادة الجدولة، وإعادة الهيكلة، والتفاوض على شروط الأداء، وأحيانا تخفيض جزء من الدين أو الفوائد بحسب وضعية كل ملف.
ومع ذلك، فإن دخول مستثمرين متخصصين إلى سوق الديون المتعثرة يطرح سؤالا مشروعا ومقلقا في الوقت نفسه:
– هل سيكون هذا السوق فرصة لإنقاذ المتعثرين، أم وسيلة أكثر صرامة لتحصيل الديون؟

الجواب لن تحدده الشعارات، وإنما القوانين والضوابط التي ستؤطر هذا السوق، وكيفية حماية حقوق المدينين، وما هي حدود صلاحيات الجهات التي ستشتري هذه الديون.
فليس كل من توقف عن أداء قرضه شخصا يتهرب من المسؤولية.
هناك من ٱقترض ثم فقد عمله، وهناك من أغلقت مقاولته، وهناك من تعرض لأزمة ٱقتصادية، وهناك من أصبح دخله عاجزا عن مواكبة الأقساط والغلاء وتكاليف الحياة…
لذلك، يجب التفريق بين المماطل القادر على الأداء والرافض له، وبين المتعثر الذي يريد الأداء لكنه لم يعد قادرا عليه.
وإذا كان تحرير الأبناك من القروض المتعثرة وتطوير سوق ثانوية للديون يمكن أن يساعد النظام المالي على تجاوز مشكلاته، فهذا قد يكون مفيداًد للٱقتصاد.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الإنسان إلى مجرد رقم داخل ملف مالي!
فوراء كل قرض متعثر قصة، ووراء كل رقم أسرة، وأحيانا منزل وأطفال ومشروع صغير وحياة كاملة.
ولهذا، فإن الدولة مطالبة بأن تضمن أن تطوير سوق الديون لن يتحول إلى سوق مفتوحة لبيع معاناة المواطنين.

نحن لا ندافع عن من يتهرب من أداء ما عليه، ولكننا ندافع عن حق المواطن الذي تعثر بسبب ظرف قاهر في أن يحصل على فرصة عادلة لإعادة ترتيب وضعه المالي.
✓ وفي النهاية، السؤال ليس فقط:
– من سيشتري الديون المتعثرة؟
✓ بل السؤال الأهم:
– عندما يصبح الدين سلعة تباع وتشترى… من سيحمي الإنسان الذي يقف خلف ذلك الدين؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.