حين يزيح عامل النظافة الستار… وتسقط البروتوكولات أمام قيمة الإنسان.

0 334

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في مشهد غير مألوف في سجل التدشينات الرسمية بالمغرب، ٱختارت جماعة ” إيموزار-كندر”، أن تكتب صفحة مختلفة، عنوانها الكبير: “الإنسان والإنسانية أولا.. وقبل كل شيء”.

لم يكن من قصّ الشريط هذه المرة وزيرا، ولا واليا، ولا رئيس جماعة… بل كان عامل نظافة، ذلك الرجل الذي ٱعتاد أن يمر بصمت، وأن يغادر دون أن تلتفت إليه عدسات الكاميرات أو تصافحه عبارات الإشادة.
لقد آثر رئيس جماعة إيموزار، السيد “مصطفى لخصم”، أن يتنازل عن شرف التدشين، وأن يمنحه لعاملين من عمال النظافة، في مبادرة تختزل معاني الوفاء، وتجسد أسمى صور الإعتراف بكرامة العمل، وتؤكد أن المسؤولية الحقيقية لا تقاس بعدد الخطب، وإنما بقدرة صاحبها على إعادة الإعتبار لمن ظلوا لسنوات طويلة في الظل.
إنها ليست مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل رسالة حضارية بليغة تقول إن المدن لا يصنعها المنتخبون وحدهم، بل تبنيها أيضا أياد متعبة تستيقظ قبل الجميع، وتحمل المكانس وعربات النظافة، لتمنح الشوارع جمالها، وتحفظ للمجتمع صحته، وتُدبقي الفضاء العام صالحًدا للحياة.
ولطالما كان عامل النظافة يؤدي واجبه في صمت، لا ينتظر تصفيقا ولا تكريما، بينما يكتفي كثيرون برؤية نتيجة عمله، دون أن يفكروا في حجم المشقة التي يبذلها.
ولذلك، فإن منحه شرف تدشين مشروع عمومي ليس تكريما لشخصين فقط، بل هو تكريم لآلاف العمال الذين يزاولون هذه المهنة الشريفة في مختلف ربوع المملكة.
لقد أثبتت هذه المبادرة أن القيادة ليست ٱمتيازا يمارس من أعلى المنصات، وإنما قيمة أخلاقية تترجم إلى مواقف.
فالمسؤول الذي يمنح الأضواء لمن يستحقها، ويجعل من البسطاء أبطالا للحظة تاريخية، إنما يبعث برسالة أبلغ من آلاف الكلمات، مفادها أن الكرامة الإنسانية لا ترتبط بمنصب أو رتبة، بل بالإخلاص في أداء الواجب.
كما تحمل هذه الخطوة بعدا تربويا بالغ الأهمية، فهي تغرس في نفوس الأطفال والشباب ثقافة ٱحترام جميع المهن، وتكسر النظرة الدونية التي لا تزال تلاحق بعض الوظائف رغم أنها تمثل ركيزة أساسية في حياة المجتمعات.
فلا طبيب يستطيع أداء رسالته في بيئة ملوثة، ولا تلميذ يتعلم في شارع تغمره النفايات، ولا مدينة تستحق لقب الحضارة إذا غاب عنها رجال النظافة.
إن الأمم المتقدمة لا تعرف فقط بجسورها وناطحات سحابها، بل تعرف كذلك بمدى ٱحترامها لمن يخدمونها في صمت.
ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى في إيموزار-كندر، يستحق أن يتحول إلى ثقافة مؤسساتية، وأن يصبح نموذجا يحتذى به، لا لأنه كسر أعراف التدشين، بل لأنه أعاد ترتيب سلم القيم، فوضع الإنسان في المكانة التي يستحقها.
وفي زمن كثرت فيه الصور الرسمية المتشابهة، جاءت هذه الصورة مختلفة… صورة تقول إن التواضع قوة، وإن الإعتراف بالجميل فضيلة، وإن المسؤول الذي يصنع الفارق هو ذاك الذي يجعل الآخرين يتقدمون عليه، لا الذي يحرص دائما على الوقوف في مقدمة المشهد.

تحية تقدير وٱمتنان لكل عامل نظافة يحمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ على نظافة مدننا، وتحية خاصة لكل مسؤول يؤمن بأن أعظم التدشينات ليست تلك التي تقص فيها الأشرطة، بل تلك التي تفتح فيها أبواب الكرامة والتقدير أمام الإنسان، أيا كان موقعه.
فقد تنتهي مراسم التدشين في دقائق، لكن المواقف الإنسانية الصادقة تبقى خالدة في ذاكرة الشعوب، لأنها تكتب تاريخها بالأخلاق قبل الحجارة، وبالإنسان قبل المشاريع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.