موحى جانا… من ذاكرة الناس إلى ذاكرة المدينة

0 448

محمد سيدي : بيان مراكش

ليست قيمة الرجال فيما تقلدوه من مناصب، ولا فيما حملوه من ألقاب، بل فيما تركوه من أثر طيب في حياة الناس، وحين يقترن العلم بالأخلاق، والخدمة بالإخلاص، يصبح الوفاء لأصحابه واجبا أخلاقيا وحضاريا، لأن الأمم التي تحفظ ذاكرة رجالاتها إنما تحفظ جزءا من هويتها وتاريخها.

ومن بين هؤلاء الرجال الكولونيل ماجور البروفيسور موحى جانا رحمه الله، الذي لم يترك وراءه مجرد سيرة مهنية، بل خلف إرثا من القيم والإنسانية يصعب أن يمحوه الزمن، فقد جمع بين شرف الإنتماء إلى المؤسسة العسكرية، ونبل رسالة الطب، فكان نموذجا للطبيب العسكري الذي سخر علمه وإنضباطه وخبرته لخدمة الوطن والإنسان.

كلما إستحضرت سيرته، عادت بي الذاكرة إلى سنوات الطفولة، حين كنت أرافق والدي، لزيارته وكانت تجمعهما صداقة صادقة قل نظيرها، لم أكن أعي آنذاك مكانته العلمية ولا قيمته المهنية، لكنني كنت ألمس فيه هيبة العالم، ووقار العسكري، وتواضع الإنسان ،وحين كنت أمرض، كان يهيئ لي الدواء بنفسه، فأستعمله بثقة كبيرة، لأن الثقة في أمثاله كانت تنبع من أخلاقه قبل علمه، ومن إنسانيته قبل منصبه .

لقد جسد الراحل صورة الطبيب الذي آمن بأن الطب رسالة سامية قبل أن يكون مهنة، وأن خدمة الإنسان هي أسمى مراتب النجاح، فكان قريبا من الناس، لا سيما الفئات البسيطة، وعرف بحسن الخلق، والتواضع، والإخلاص في أداء واجبه، فإستحق محبة الناس وإحترامهم، وترك في نفوسهم أثرا لا يزال حاضرا رغم مرور السنين.

ولا يمكن الحديث عن مسيرة الكولونيل ماجور البروفيسور موحى جانا دون إستحضار المكانة المرموقة للقوات المسلحة الملكية، التي لم يقتصر دورها، عبر تاريخ المملكة المغربية الشريفة، على حماية الوطن والدفاع عن وحدته الترابية، بل أسهمت أيضا في تكوين أطر وكفاءات علمية ومهنية عالية المستوى، حملت قيم الإنضباط، والكفاءة، وروح المسؤولية إلى مختلف ميادين الخدمة، وهي المؤسسة الوطنية العريقة التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، وتواصل أداء رسالتها بكل إلتزام وتفان في خدمة الوطن، وكان الفقيد رحمه الله، أحد النماذج المشرقة التي جسدت هذا التلاقي بين الانضباط العسكري، والتميز العلمي، والبعد الإنساني.

إن الأمم التي تحترم تاريخها لا تكتفي باستحضار أسماء رجالاتها في المناسبات، بل تحرص على تخليدهم في فضائها العام، حتى تبقى سيرهم مصدر إلهام للأجيال، ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق إسم الكولونيل ماجور البروفيسور موحى جانا على أحد مدرجات كلية العلوم السملالية سيكون مبادرة مستحقة، تخلد إسم رجل علم ترك بصمة راسخة في مجال الطب، وأسهم بعلمه وأخلاقه في خدمة الإنسان.

كما نأمل أن يتفاعل المجلس الجماعي لمدينة مراكش، برئاسة الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري ، مع هذا المقترح من خلال إطلاق إسمه على أحد شوارع المدينة، وفاء لرجل خدم وطنه ومدينته بعلمه وأخلاقه، وساهم في ترسيخ صورة الطبيب الذي جمع بين الكفاءة، والتواضع، والإحسان.

إن إطلاق أسماء العلماء والأطباء والمربين على المؤسسات والشوارع ليس مجرد قرار إداري، بل هو رسالة ثقافية وحضارية تؤكد أن المجتمع يعتز بمن خدموه بإخلاص، وأن ذاكرة المدن لا تحفظ أسماء العابرين، بل أسماء الذين صنعوا أثرا باقيا في حياة الناس.

رحم الله الكولونيل ماجور البروفيسور موحى جانا، وجزاه عن وطنه ومرضاه خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم نافع، وعمل صالح، وإحسان إلى الناس في ميزان حسناته ،وسيظل إسمه حاضرا في ذاكرة مراكش، كما سيبقى مثالا للطبيب الإنسان، وللعسكري الذي حمل شرف الانتماء إلى مؤسسة وطنية عريقة، وخدم وطنه بعلمه قبل كل شيء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.