الاختلاف في بناء الحكم السياسي* *حين يُنتج غياب التباين خطأً جماعيًا* 3/4

0 163

 

بقلم: *الدكتور محمد محاسن*

*تلخيصاً*

أنتقلُ في هذا المقال من تحليل انكماش الإدراك إلى مساءلة بُعدٍ آخر لا يقل أهمية في صناعة القرار السياسي. يتعلق الأمر بدور الاختلاف في بناء الحكم. فالخطأ الاستراتيجي لا ينشأ دائمًا عن قصور فردي، بل كثيرًا ما يتشكل داخل منظومات يغيب فيها التباين، ويضعف فيها حضور الاعتراض، فيتحول الإجماع إلى حالة مريحة ظاهريًا ومضلِّلة فعليًا. وأبيّن أن جودة القيادة لا تُقاس بمدى فرض رؤية واحدة، بل بقدرتها على إتاحة المجال لزوايا نظر متعددة، وإخضاع القرار لاختبار فعلي قبل اعتماده.

*الكلمات المفاتيح*

الاختلاف؛ القرار السياسي؛ الحكم الاستراتيجي؛ القيادة؛ التباين الإدراكي؛ التحيزات المعرفية.

*ملاحظة تأطيرية*

يشكّل هذا المقال الحلقة الثالثة من سلسلة تبحث في القيادة السياسية في ظل التحيزات المعرفية، ويركّز على البعد الجماعي في تشكّل الخطأ، من خلال دور الاختلاف في ضبط الحكم.

1. *الخطأ بوصفه نتيجة بنية لا* *حادثة معزولة**

تميل القراءة الشائعة إلى تفسير الأخطاء السياسية من خلال الأفراد في خلط صريح بين مستويين منطقيين مختلفين، مستوى الذات/الهوية ومستوى الأفعال الصادرة عنها/السلوكيات: ضعف في التقدير، قصور في الإحاطة، أو خلل في التحليل. غير أن بعض الإخفاقات الكبرى لا يمكن فهمها وفق هذا المنظور، لأنها تتشكل داخل بنية أوسع.

في هذه الحالات، لا يظهر الخطأ بوصفه انحرافًا سلوكيا ذاتيا مفاجئًا، بل نتيجة مسارٍ يتدرّج في اتجاه واحد:

– افتراضات مشتركة لا تُساءل،
– توافقات تتكرس مع الوقت،
– ونمط تفكير يميل إلى الاستقرار أكثر من المراجعة.

وهكذا، يتكوّن الخطأ داخل نسق يبدو منسجمًا ظاهريا، بينما يفتقد ما يكفي من الاختبار عمقاً.

2. *الإجماع: بين الاطمئنان الظاهر* *وحدود الفحص*

يحمل الإجماع، داخل دوائر القرار، دلالة إيجابية في الظاهر. فهو يوحي بوضوح الرؤية وتماسك التحليل. غير أن هذا الاطمئنان قد يحجب سؤالًا أساسيًا: كيف تشكّل هذا الإجماع؟ في كثير من الأحيان، لا ينتج الإجماع عن تقاطع تحليلات مستقلة، بل عن ميل تدريجي إلى:

– تجنب الاحتكاك،
– مسايرة الاتجاه الغالب،
– أو الاكتفاء بما ينسجم مع الإطار السائد.

وبذلك، فإن الاختلاف لا يختفي، بل إن حضوره لا ينفك يتراجع حتى يبدو كأنه غير موجود. ومن ثمة فإن الإجماع لا يصبح انعكاسا لقوة الحكم بقدر ما يكشف حدود مساءلته.

3. *حين يغيب الاعتراض يضعف* *القرار*

إن القرار لا يُختبر بمدى قبوله أو تبنيه، بل بقدرته على الصمود أمام الاعتراض. فوجود رأي مخالف لا يُربك الحكم، بل يكشف حدوده ويمتحن صلابته.

فعندما يضعف حضور الاعتراض تضيق مساحة الاحتمالات وتتراجع القدرة على توقع المفاجآت ويستقر القرار داخل مسار لم يخضع لاختبار كافٍ. فتعدد الآراء لا يهدد القرار، بل يحميه من أن يتشكل في فضاء محدود.

4. *تعدد الزوايا شرط للفهم لا* *عائق له*

إن الواقع السياسي لا يدرَك من زاوية واحدة، لأن كل موقع يقدّم قراءة جزئية. ومن ثم، فإن تعميق الفهم يقتضي القدرة على التنقل بين زوايا متعددة كالنظر من داخل الموقف واستيعاب منطق الأطراف الأخرى وإعادة تركيب الصورة من مسافة تسمح برؤية أوسع.

ولا تكمن القيمة في جمع هذه الزوايا، بل في إبقائها حاضرة داخل التفكير، بما يمنع انغلاقه على قراءة واحدة.

5. *تنظيم الاختلاف بوصفه أداة* *للحكم*

غير ان الإقرار بأهمية الاختلاف يبقى غير كافٍ، فالأمر يقتضي إدماجه ضمن مسار منظم. فحين يُترك دون إطار، يتحول إلى تشويش وحين يُقمع يفقد وظيفته. أما حين يُحسن توجيهه، فإنه يؤدي دورًا دقيقًا ألا وهو إخضاع القرار لاختبار فعلي قبل أن يفرضه الواقع.

وبهذا، يتحول الاختلاف من مصدر توتر إلى أداة لضبط الحكم وتقويته.

6. *القيادة بين الانفتاح والحسم*

تُختبر القيادة في قدرتها على الجمع بين مسارين متكاملين:

– انفتاح يسمح بفحص القرار من زوايا متعددة،
– حسم يجنّب تشتته عند لحظة الفعل.

بيد أن الإفراط في أحدهما قد يفضي إلى اختلال؛ فالانفتاح المفرط يعطّل القرار، كما أن الحسم المبكر يغلقه ويجعله حبيس قراءة ناقصة. أما التوازن فإنما يتحقق حين يُتاح للاختلاف أن يؤدي وظيفته، دون أن يتحول إلى عائق دائم أمام الفعل.

*عود على بدء*

يتبيّن مما سبق أن الخطأ في الحكم السياسي لا ينشأ دائمًا من الانغلاق الفردي على الذات، بل قد يتشكل نتيجة تراجع التباين داخل منظومة القرار. فحين يضعف حضور الاختلاف، يفقد الحكم أحد شروط تماسكه ألا وهو القدرة على اختبار نفسه ومراجعتها.

ومن ثم، لا تُقاس قوة القيادة بمدى انسجام محيطها، بل بقدرتها على الإدماج الواعي للتباين دون أن تفقد اتجاهها.

وهنا يتبلور سؤال أعمق: إذا كان الإدراك عرضة للانكماش، وكان القرار عرضة للتشابه، فكيف يمكن بناء حكم قادر على مقاومة هذه الانزلاقات؟

هذا ما سأعالجه في المقال الرابع من خلال رسم معالم قيادة واعية بشروط إدراكها وحدود حكمها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.