تشكل امتحانات البكالوريا واحدة من أهم المحطات في المسار الدراسي للتلميذات والتلاميذ، فهي ليست مجرد اختبار عابر، بل شهادة وطنية تفتح أبواب التعليم العالي والتكوين وسوق الشغل، وتحمل في طياتها رهانات فردية ومجتمعية كبيرة. ومن هنا تبرز أهمية الحفاظ على نزاهة هذه الامتحانات وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، حتى تظل شهادة البكالوريا محتفظة بقيمتها ومصداقيتها على الصعيدين الوطني والدولي.
ورغم التطور الكبير الذي شهدته آليات محاربة الغش خلال السنوات الأخيرة، من خلال اعتماد أجهزة وتقنيات حديثة لرصد محاولات تسريب المواضيع واستعمال الوسائل الإلكترونية الممنوعة، فإن نجاح هذه الإجراءات يظل رهينا بالعنصر البشري داخل قاعات الامتحان، وفي مقدمة هذا العنصر المراقبون والمشرفون المكلفون بالسهر على حسن سير الاختبارات.
فالمراقب داخل القسم ليس مجرد موظف يحضر لتسجيل الغياب والحضور، بل هو مؤتمن على مبدأ تكافؤ الفرص وعلى حماية مجهود آلاف التلاميذ الذين قضوا شهورا طويلة في التحضير والاستعداد. وأي تساهل أو تهاون في أداء هذه المهمة الحساسة قد يؤدي إلى نتائج خطيرة تتجاوز حدود المؤسسة التعليمية لتطال صورة المنظومة التعليمية بأكملها.
وللأسف، أظهرت بعض التصريحات المتداولة لتلميذات وتلاميذ عقب انتهاء الامتحانات وجود حالات من التساهل في بعض مراكز الامتحان، حيث تحدث البعض بكل جرأة عن غياب الصرامة في المراقبة أو عن اعتماد مقاربات عاطفية من قبيل “حشومة”، أو “نتعاونو مع التلاميذ”، أو “ندير عين شافت وعين ما شافت”. وهي مبررات قد تبدو إنسانية في ظاهرها، لكنها في الواقع تشكل مسا مباشرا بمبدأ العدالة بين المترشحين.
فكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بين تلميذ اجتهد طوال السنة واعتمد على قدراته الذاتية، وآخر استفاد من التساهل أو تمكن من الغش داخل قاعة الامتحان؟ وكيف يمكن إقناع المجتمع بقيمة الشهادة إذا أصبح بعض المترشحين يتباهون أمام كاميرات الصحافة بقدرتهم على الغش أو بالتحايل على الإجراءات المعتمدة؟
إن التساهل مع الغش لا يظلم فقط التلاميذ المجتهدين، بل يضرب في العمق مصداقية شهادة البكالوريا المغربية. فكل شهادة تمنح دون استحقاق حقيقي تقلل من قيمة الشهادات التي حصل عليها أصحابها بجدارة، كما تسيء إلى صورة المدرسة العمومية والثقة التي يضعها المجتمع ومؤسسات التعليم العالي وسوق الشغل في مخرجاتها.
ولا يمكن تحميل المسؤولية للتقنيات أو الأجهزة المستعملة لمحاربة الغش كلما ظهرت بعض الاختلالات، لأن التكنولوجيا مهما بلغت من التطور تظل مجرد أداة تحتاج إلى تطبيق صارم وإرادة حقيقية لإنجاحها. فالمشكل لا يكون دائما في الجهاز، بل أحيانا في طريقة استعماله أو في غياب الحزم اللازم عند التعامل مع المخالفات.
ومن هذا المنطلق، فإن المراقب مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى باستحضار حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، والابتعاد عن كل الاعتبارات العاطفية أو المجاملات التي قد تضر بمصلحة التلاميذ أنفسهم على المدى البعيد. فالصرامة في تطبيق القانون ليست قسوة، وإنما هي حماية للإنصاف والعدالة وضمان لحقوق الجميع.
كما أن تعزيز نزاهة الامتحانات يقتضي مواصلة تكوين المراقبين والمشرفين، وتوحيد معايير التدخل داخل مختلف المراكز، وربط المسؤولية بالمحاسبة كلما ثبت وجود تقصير أو تهاون في أداء الواجب، لأن الحفاظ على مصداقية البكالوريا مسؤولية جماعية لا تحتمل التهاون.
إن شهادة البكالوريا ليست ملكا لجيل واحد، بل هي رصيد وطني راكمه المغرب عبر عقود طويلة. والحفاظ على قيمتها يتطلب أن يؤدي كل متدخل دوره كاملا، من واضعي المواضيع إلى المراقبين والمشرفين والإداريين. فحين تنتصر النزاهة داخل قاعات الامتحان، تنتصر المدرسة المغربية، ويكسب الوطن شهادة تحظى بالاحترام والثقة داخل المغرب وخارجه.