مقاطعة النخيل… بين وثيقة سنة 2000 ومنشور “100%” لسنة 2026: أول تصميم تهيئة “شبح أم كذبة أبريل” في تاريخ التعمير المغربي؟

0 2٬203

مقال تحليلي – بقلم: رشيد زلاغ

أثار المنشور الذي نُشر يوم 19 أبريل 2026 على الصفحتين الرسميتين بموقعي فيسبوك وإنستغرام للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ورئيسة جماعة مراكش، والذي أعلن أن مدينة مراكش أصبحت مغطاة بنسبة 100% بوثائق التعمير، نقاشاً واسعاً يتجاوز حدود الرقم المعلن ليمس جوهر مدى احترام المساطر القانونية المنظمة لإعداد واعتماد هذه الوثائق.

ويزداد هذا النقاش حدة مع إدراج مقاطعة النخيل ضمن خريطة التغطية المعلنة، باعتبارها مجالاً حضرياً مؤطراً بشكل كامل، في وقت تشير فيه المعطيات المتوفرة إلى أن مسار تحيين وثيقة التعمير الخاصة بها لم يستكمل بعد جميع مراحله القانونية.

فمقاطعة النخيل ليست مجالاً هامشياً أو خارج دائرة التخطيط العمراني، بل تعد من أهم المجالات الحضرية بمدينة مراكش، وترتبط بهويتها التاريخية باعتبارها “عاصمة النخيل”. كما أنها كانت سباقة إلى الاستفادة من وثيقة تعمير، حيث تمت المصادقة على أول تصميم تهيئة خاص بها سنة 2000 بعد مسار انطلق سنة 1996، في وقت كانت فيه مجالات أخرى بالمدينة لا تزال تفتقر إلى وثائق مماثلة.

غير أن هذا التصميم، رغم استمراره كمرجع قانوني إلى اليوم، لم يعد يواكب التحولات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المقاطعة خلال أكثر من عقدين، ما يجعل تحيينه ضرورة تنموية ملحة تمس البنية التحتية والتجهيزات العمومية والبيئة والاستثمار وجودة عيش الساكنة.

وفي المقابل، انطلقت مسطرة إعداد تصميم تهيئة جديد خلال السنوات الأخيرة، وتمت مناقشته سنة 2022 داخل اللجنة الإقليمية المختصة قبل إحالته على المصالح المركزية لاستكمال الإجراءات القانونية. غير أن السؤال الجوهري ما يزال قائماً: أين قرار المصادقة النهائية؟ وأين النشر الرسمي الذي يمنح الوثيقة قوتها القانونية والتنظيمية؟

كما أن هذا الملف ظل يتردد بشكل متواصل داخل دورات مجلس مقاطعة النخيل، حيث تمت المطالبة في أكثر من مناسبة بتوضيح وضعيته القانونية ومآل مسطرة اعتماده، دون تقديم أجوبة حاسمة من الجهات المعنية، وهو ما ساهم في استمرار الغموض وفتح الباب أمام التأويلات.

ومن الناحية القانونية، فإن اعتماد أي تصميم تهيئة يمر عبر مراحل محددة تشمل إبداء رأي مجلس المقاطعة، ورأي مجلس جماعة مراكش، ثم فتح البحث العمومي أمام المواطنين وذوي الحقوق العقارية لإبداء الملاحظات والتعرضات، قبل المصادقة النهائية والنشر الرسمي. وهي مراحل جوهرية لا يمكن اختزالها أو القفز عليها.

وتبرز أهمية هذه الوثيقة في كونها لا ترتبط فقط بالجوانب التقنية للتعمير، بل تنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين وعلى حقوق مالكي الأراضي والمستثمرين والمنعشين العقاريين، كما تؤثر في مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بالمقاطعة. ولذلك يجد العديد من المعنيين أنفسهم اليوم بين خطاب رسمي يتحدث عن تغطية كاملة بنسبة 100%، وبين واقع إداري لم تصدر بشأنه بعد وثائق رسمية تؤكد دخول التصميم الجديد حيز التنفيذ.

ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات العمومية في تحري الدقة والوضوح عند تقديم المعطيات للرأي العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تمس حقوق المواطنين واستثماراتهم وممتلكاتهم. فالمسؤول العمومي مطالب بتقديم معلومات دقيقة ومدعومة بالوثائق القانونية، لا بمعطيات قد تثير الالتباس أو توحي بوجود إنجازات مكتملة قبل استكمال مساطرها القانونية.

وفي المحصلة، لا يتعلق النقاش بنسبة “100%” في حد ذاتها، بل بمضمونها القانوني والواقعي: هل تعكس فعلاً وثائق مصادقاً عليها ومنشورة وفق المساطر المعمول بها؟ أم أنها تعبر عن قراءة تواصلية أوسع من الوضعية القانونية الفعلية لبعض المجالات، وفي مقدمتها مقاطعة النخيل؟

يبقى الجواب الحقيقي في نشر الوثائق الرسمية وإطلاع الرأي العام على المعطيات القانونية الكاملة. فالتعمير لا يقاس بالشعارات ولا بالمنشورات التواصلية، بل بوضوح الوثائق واحترام المساطر وضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة الصحيحة. فحين يتعلق الأمر بحقوق الساكنة ومصالح ملاك الأراضي ومستقبل الاستثمار والتنمية، تصبح الدقة واجباً مؤسساتياً لا مجال فيه للغموض أو الالتباس.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.