مولاي بوبكر شريف: بيان مراكش
في دولة المؤسسات والقانون، لا تثير الوثائق الجدل بسبب قيمتها المالية، بل بسبب ما تكشفه من دلالات ومعطيات وأسئلة قد تكون أكبر بكثير من الأرقام المدونة عليها.
من هنا انطلق الجدل الذي أعاد إلى الواجهة ملف التسيير والتدبير داخل الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ، بعدما تم تداول وثيقة استخلاص مبلغ مالي مقابل المبيت خلال تدريب احتضنته دار بودار للأيتام بمدينة تحناوت.
قد يبدو الأمر عادياً للوهلة الأولى، لكن تفاصيله تفتح أبواباً واسعة للنقاش.
فالوثيقة المتداولة تحمل خاتم المؤسسة، لكنها لا تحمل، حسب ما تم نشره وتداوله، المقومات التي أصبحت تميز وثائق الاستخلاص المعتمدة في المعاملات القانونية والإدارية الحديثة. وهو ما دفع العديد من المتتبعين إلى طرح سؤال جوهري: تحت أي إطار قانوني تم استخلاص تلك المبالغ؟ ولحساب أي جهة بالضبط؟
الأمر لا يتعلق هنا بمبلغ 500 درهم أو أكثر أو أقل، بل يتعلق بمبدأ الحكامة والشفافية في تدبير المال المرتبط بالأنشطة الرياضية.
دار الأيتام أم أكاديمية الجامعة؟
من أكثر النقاط التي أثارت انتباه المهتمين، ما اعتبروه خلطاً بين هوية مؤسسة اجتماعية مخصصة لرعاية الأيتام وبين تقديمها في بعض البرامج والأنشطة باعتبارها “أكاديمية للجامعة”.
فهل تغيرت الصفة القانونية للمؤسسة؟
وهل أصبحت دار الأيتام فضاءً مخصصاً لاحتضان أنشطة رياضية مدفوعة الأداء؟
وهل تسمح القوانين المنظمة للمؤسسة والجمعية المشرفة عليها بهذا النوع من الاستغلال؟
وهل الأموال المستخلصة تدخل ضمن الموارد القانونية المصرح بها للمؤسسة؟
أسئلة مشروعة يطرحها الرأي العام الرياضي والجمعوي، خاصة وأن الأمر يتعلق بمؤسسة ذات طبيعة اجتماعية يفترض أن تكون كل مواردها ومصاريفها خاضعة لأقصى درجات الشفافية والرقابة.
أزمة جامعة أم أزمة حكامة؟
هذه الواقعة لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعيشه الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ خلال الأشهر الأخيرة.
استقالة جماعية لثمانية أعضاء من المكتب المديري، شكايات وتحركات نحو الجهات الوصية،لجوء إلى القضاء.
اتهامات بالانفراد في اتخاذ القرار، حديث متكرر عن غياب التواصل المؤسساتي.
وانتقادات لطريقة تدبير الملفات الإدارية والتنظيمية؛ كتغيير اللوغو للجامعة وتتغيير مقر الجامعة ، بل اكثر واعمق وهو تدادول مقولة مفادها ان الرئيس الحالي هو مؤسس الجامعة بحكم انه من ادخل رياضة الفول كونتاكت للمغرب ويعتبر الجامعة ملكه او كأمانة تركها في إيادي غير آمنة واليوم هو عازم على استردادها ،وربما هو مادفعه للقيام بكل هذه التغييرات والقطيعة مع ثراث وطني امتد لعقود .
كلها معطيات أصبحت متداولة في الفضاء العام ولم تعد مجرد نقاشات داخلية بين أعضاء المكتب المديري.
الأخطر من ذلك أن المنتقدين يعتبرون أن حالة الشغور التي عرفتها الجامعة وفقدان النصاب القانوني للمكتب المديري كان من المفترض أن تفرض معالجة قانونية وتنظيمية عاجلة، بدل الاستمرار في تنظيم تظاهرات وأنشطة وبطولات تثير بدورها نقاشاً حول مشروعيتها القانونية.من يحمي إرث 35 عاماً؟
ما يزيد من حدة الاستغراب أن الجامعة لم تولد اليوم.إنها مؤسسة راكمت أكثر من 35 سنة من العمل والتجربة والعلاقات الدولية والشراكات والتكوين.
جامعة ساهمت أجيال متعاقبة من الأطر والمسيرين والتقنيين في بنائها وتطويرها.
جامعة استطاعت أن تفرض حضورها قارياً ودولياً وأن تواكب تطور الرياضات الممثلة داخلها.
لكن ما يتم تداوله اليوم يوحي بأن هذا الإرث أصبح مهدداً بسبب أزمة تدبير أكثر منها أزمة إمكانيات .واليوم الجامعة تعيش ايضا عجزا واقصاء من كرف الاتحادات الدولية وحرمانها وعدم استدعائها للمشاركة في البطولات العالمية كعدم مشاركة المنتخب في تركيا في الايام المنصرمة وذلك راجح للازمة القانونية التي تعيشها الجامعة ،وهو ما سبب استياء ابطال ضحوا بالغالي والنفيس للاستعداد لهكذا تظاهرات .
فالجامعات الرياضية لا تنهار بسبب نقص المال فقط، بل قد تتضرر بسبب غياب الحوار وضعف الحكامة والانفراد بالقرار وإقصاء الكفاءات.
تضارب المصالح… السؤال الذي يرفض المغادرة
من بين أكثر الملفات حساسية، ما يتم تداوله بشأن الجمع بين رئاسة الجامعة ورئاسة الجمعية المشرفة على دار بودار للأيتام.
فإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإنها تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مدى وجود حالة تضارب مصالح تستوجب التوضيح.
كيف يتم الفصل بين الموارد المالية للمؤسستين؟ من يتخذ القرار؟ومن يراقب؟ومن يستفيد من تنظيم الأنشطة المؤدى عنها داخل فضاء تابع لجمعية يرأسها الشخص نفسه الذي يرأس الجامعة؟
إنها أسئلة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف البحث عن الضمانات القانونية والمؤسساتية التي تحمي الجميع.أين الرقابة؟
السؤال الذي يطرحه عدد متزايد من المهتمين بالشأن الرياضي اليوم هو:
أين دور أجهزة المراقبة والافتحاص؟ وأين تدخل الوزارة الوصية؟ولماذا يستمر الجدل دون تقديم أجوبة رسمية وحاسمة للرأي العام؟
ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الإصلاح داخل العديد من المؤسسات الرياضية الوطنية، يبدو أن ملف الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ ما زال ينتظر كلمة الجهات المختصة.
كلمة لا تحتاج إلى بيانات متبادلة ولا إلى سجالات مواقع التواصل الاجتماعي، بل إلى افتحاص وتدقيق وقرارات واضحة تعيد الثقة إلى الفاعلين الرياضيين وتحسم في كل المعطيات المتداولة.
فالرياضة المغربية اليوم في حاجة إلى الحكامة أكثر من حاجتها إلى الشعارات، وإلى مؤسسات قوية أكثر من حاجتها إلى الأشخاص.
وإلى أن تظهر الحقيقة كاملة، ستظل الأسئلة أكبر من الأجوبة، وسيظل ملف الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ نموذجاً حياً على أن غياب التواصل والشفافية كفيل بتحويل أي مؤسسة، مهما كان تاريخها، إلى موضوع نقاش عمومي مفتوح.لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح وسط كل هذه المعطيات المتداولة هو: هل نحن أمام مسؤول فوق القانون، أم أمام مساطر رقابية وإدارية لم تأخذ بعد مسارها الكامل نحو الحسم؟
ففي دولة المؤسسات، الأصل أن الجميع خاضع للقانون، من أصغر منخرط داخل جمعية رياضية إلى رئيس أكبر مؤسسة رياضية. غير أن استمرار الجدل وتراكم التساؤلات وغياب الأجوبة الرسمية السريعة قد يخلق لدى الرأي العام انطباعاً بأن الملف يراوح مكانه دون حسم.
لذلك فإن القضية الحقيقية ليست ما إذا كان رئيس الجامعة فوق القانون أم لا، بل مدى سرعة وفعالية تدخل الجهات المختصة للقيام بمهامها في المراقبة والافتحاص والتدقيق وإعلان النتائج للرأي العام. فحين تشتغل المؤسسات الرقابية بكامل صلاحياتها، تسقط جميع التأويلات، ويصبح الفيصل الوحيد هو القانون.