حين تتكلم الأمهات… وتصمت الإنسانية!..

0 227

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في زمن صار فيه الضجيج يحسب فكرا، والوقاحة تسوّق على أنها جرأة، خرجت أم ريفية بسيطة لتتكلم… لا بلسان السياسة، ولا ببلاغة المنابر، بل بلغة أقدم من كل النظريات “لغة الوجع”.

 

لالة “زوليخة”، والدة المعتقل “ناصر الزفزافي”، لم تكن تلقي خطابا، ولم تكن تحرر بيانا، ولم تكن تجيد أصلا لعبة التوازنات التي يتقنها محترفو (التحليل).

كانت فقط تبكي، نعم تبكي… كما تبكي كل أم حين ينتزع منها فلذة كبدها ويلقى به في عتمة الغياب.

 

لكن، ويا للمفارقة، في بلد يفترض أن الجامعة فيه مصنع للنخب، خرجت (نخبة) من نوع خاص… أستاذة جامعية، يفترض أنها تحمل مشعل الفكر، فإذا بها تحمل قاموس السوق، وتوزع الشتائم كما توزع المحاضرات، وتختم (تحليلها العميق) بكلمة (تفو!!!)، وكأنها تلخص مسارا أكاديميا كاملا في بصقة!

– أي جامعة هذه التي تخرج مثل هذا (الرقي)؟

– وأي فكر ذاك الذي يعجز عن التمييز بين خطاب سياسي وصراخ أم مكلومة؟

– أم أن بعض الشهادات العليا لا ترفع صاحبها، بل تفضح طينته حين يمتحن في أبسط ٱختبار إنساني؟

 

إن السخرية هنا ليست ترفا، بل ضرورة، لأننا أمام مشهد عبثي:

/أم تبكي ٱبنها، وأستاذة تهاجم دموعها.

/أم تتوسل السماء، وأكاديمية تتوسل الإنتباه.

/أم تنهار من ثقل الفقد، وأخرى تنهار من خفة القيم.

 

أم “ناصر” لم تطلب تعاطفا سياسيا، ولم تدع ٱمتلاك الحقيقة، ولم تزايد على أحد، كل ما فعلته أنها أعلنت، ببساطة موجعة، مقاطعتها للفرح إلى أن يعود ٱبنها.

قرار قد يبدو غير عقلاني في قاموس السياسة، لكنه في قاموس الأمومة قمة الٱتساق مع الذات.

أما الذين سارعوا إلى تأويل كلماتها، وتشريح عباراتها، وإلباسها ما لا تحتمل من خلفيات أيديولوجية، فهم في الحقيقة يمارسون نوعا من العنف الرمزي، لا يقل قسوة عن أي شكل آخر من القهر.

لأنهم ببساطة، يرفضون الإعتراف بأن الألم أحيانا لا يحتاج إلى تفسير… بل إلى إنصات.

ولعل ما يزيد المشهد قسوة، أن هذه الأم ليست حالة معزولة، بل وجه من وجوه مغرب صامت، تعيش فيه أمهات كثيرات على إيقاع الٱنتظار: ٱنتظار عودة، أو خبر، أو حتى عزاء.

 

في النهاية، لا تحتاج أم “ناصر الزفزافي” إلى من يدافع عنها، فدموعها أبلغ من كل المقالات…

لكننا نحتاج، نحن، إلى أن نسأل أنفسنا:

– كيف وصلنا إلى مرحلة تهاجم فيها الأم حين تبكي؟

– وكيف صار التعاطف تهمة، والقسوة رأيا، والٱنحدار (حرية تعبير)؟

 

حين تتكلم الأمهات، ينبغي أن تصمت كل الخطابات… لأن ما يقال من القلب، لا يجادل بالعقل، بل يقابل بما تبقى من إنسانية.. وإن بقي شيء منها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.