زلزال “اللواتي” في محراب “الرئيس العام”!

0 154

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

من مأثورات الحكمة القانونية أن المحاماة جناح العدالة الفصيح، وأن البذلة السوداء لا تكتمل هيبتها إلا برداء من البيان الساحر واللسان الصارم، الذي يزلزل عروش الباطل بعبارة بليغة، ويزن المصطلحات بميزان الذهب.

لكننا، وفي زمن (التفوق الأكاديمي الرقمي)، يبدو أننا على أعتاب ثورة لغوية جديدة، طبخت على نار هادئة في كواليس التكوين الحديث، لتنفجر في وجوهنا بملامح كوميديا سوداء، بطلتها محامية متدربة وقفت أمام الميكروفون، فأعادت ترتيب بروتوكولات الدولة، وصاغت لغة الضاد بصيغة لم ينزل الله بها من سلطان!

 

لقد تابع المغاربة بذهول، تارة ممزوجا بالضحك وتارة بالبكاء، ذلك التصريح (التاريخي) لخريجة مفترضة من كليات الحقوق، وهي تدلي بدلوها عقب أداء اليمين القانونية بمدينة طنجة.

اليمين التي يفترض أنها توثق ٱرتباط المرء بالقانون والعدالة، تحولت في لحظة هزلية إلى (شاهد عيان) على ٱغتيال لغوي مع سبق الإصرار والترصد.

بدأت الفاجعة الساخرة حين قررت الفاضلة، بكرم حاتمي، ترفيع المناصب السيادية والقضائية في المملكة، فٱخترعت في رمشة عين منصبا أسمته (الرئيس العام للملك)!

هكذا، بجرة لسان وبساطة متناهية، أطاحت بـ “الوكيل العام للملك”، وبكل الأدبيات الدستورية والمؤسساتية، لتؤسس لهيكلية قضائية جديدة لا توجد إلا في مخيلتها المربكة، وسط ذهول الحاضرين الذين لعلهم تساءلوا إن كانوا في محكمة أم في حلقة من حلقات (مسرح الترفيه العبثي).

ولم تقف الفتوحات اللغوية عند حدود السيادة والمناصب، بل ٱمتدت لتشمل قواعد النحو والصرف، في ملحمة (اللاتي واللواتي).

ففي محاولة مستميتة لجمع شمل زملائها وزميلاتها من “الأساتذة”، تاهت سفينة المدعية في بحور الأسماء الموصولة، لتغرق في تكرار معزوفة نسوية خالصة، متناسية أن في لغة العرب “مذكر ومؤنث”، وأن مهنة الدفاع تحتاج أصلا إلى “الذين” يدافعون عن الحق، لا إلى الغرق في تفاصيل (اللواتي) التي تحولت إلى مادة دسمة لـ “ترند” يسخر من واقع مرير.

إن هذا المشهد، رغم طابعه الهزلي الذي يثير القهقهة، يحمل في طياته غصة كبرى وغثيانا فكريا، فهو يختزل في دقيقة ونصف معضلة التعليم العالي والتكوين الأكاديمي الذي بات يقذف إلى سوق الشغل والمهن النبيلة خريجين (من ورق)، عاجزين عن تركيب جملة مفيدة، أو تسمية مؤسسة رسمية بٱسمها الصحيح.

– كيف لمن يعجز عن الدفاع عن نفسه لغويا أمام ميكروفون، أن يترافع غدا أمام القضاء ليدافع عن حريات الناس، وأعراضهم، وأموالهم؟

– هل سنرى قريبا مذكرات ترفعية مكتوبة بلغة (الرئيس العام) و(اللواتي واللاتي والمستجدات)؟

 

لقد كان يقال قديما:

«المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا تحدث ظهر».

واليوم، نكاد نقول:

«المرء مخبوء تحت شهادته، فإذا صرح… فر منه البيان وهربت منه العدالة!».

إنها صرخة ساخرة في وجه واقع تعليمي يفرض إعادة النظر فورا في شروط الولوج إلى مهن البذلة السوداء، قبل أن تصبح قاعات المحاكم مسارح لـ (ستاند آب كوميدي)، وتتحول العدالة من سلطة وقار إلى مادة للتسلية على منصات التواصل الإجتماعي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.