✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
«مهمة الطاغية أن يجعلك فقيرا…ومهمة رجل دين الطاغية أن يجعل وعيك غائبا!».
ليست العبارة المنسوبة إلى “كارل ماركس” مجرد جملة عابرة في كتب الفلسفة، بل هي مفتاح لفهم واقع يتكرر بأشكال مختلفة عبر الزمن.
فحين يراد إخضاع الشعوب، لا يكفي تجفيف جيوبها، بل لا بد أيضا من تعطيل وعيها…
الفقر وحده قد يخلق الٱحتقان، لكن الفقر المصحوب بغياب الوعي يخلق الٱستسلام.
ما نعيشه اليوم في عدة مجالات يكشف عن هذا الترابط الخطير بين الإقتصاد والفكر.
ففي ظل ٱرتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، يصبح المواطن منشغلا فقط بتأمين ضرورياته اليومية، وحين يتحول هم العيش إلى معركة يومية، يتراجع الٱهتمام بالشأن العام، وتتقلص مساحة التفكير النقدي… هنا يتحقق الشق الأول من المعادلة (الفقر كأداة للإنهاك).
لكن، الأخطر من ذلك هو الشق الثاني، حيث يعاد تشكيل الوعي بطرق ناعمة وخفية… فبدل أن يكون الدين مجالا للتحرر الروحي والأخلاقي، يتم توظيفه أحيانا لتبرير الواقع القائم، والدعوة إلى الصبر بمعناه السلبي، الذي يكرس الخضوع بدل أن يلهم التغيير.
فيختزل الخطاب في الدعوة إلى القبول بالأوضاع، ويشيطن كل صوت ناقد بٱعتباره خروجا عن الجماعة أو تمردا غير مشروع.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى مجالات الإعلام والتعليم.
فالإعلام، بدل أن يكون سلطة رابعة تنير الرأي العام، يتحول في بعض الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج نفس الخطاب، عبر تضخيم قضايا هامشية وصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية. أما التعليم، الذي يفترض أن يكون مصنعا للعقول الحرة، فيختزل في التلقين، بدل أن ينمي مهارات التفكير والتحليل.
إن أخطر ما في هذه المنظومة ليس وجود الفقر أو ضعف الوعي في حد ذاتهما، بل في العلاقة العضوية بينهما.
فحين يمنع الإنسان من الفهم، يصبح عاجزا عن إدراك أسباب معاناته، وبالتالي غير قادر على المطالبة بحقوقه أو تغيير واقعه.
وهكذا تستمر الحلقة المفرغة:
«فقر يولد جهلا، وجهل يكرس الفقر».
غير أن هذا الواقع، مهما بدا محكما، ليس قدرا حتميا، فالتاريخ يثبت أن الوعي حين يستيقظ، يصبح أقوى من كل أدوات الإخضاع.. والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في تحسين الظروف المعيشية، بل في تحرير العقول من كل أشكال التزييف، وبناء إنسان قادر على السؤال قبل التصديق، وعلى الفهم قبل الحكم.
إن معركة الكرامة لا تحسم فقط في الأسواق ومؤشرات الٱقتصاد، بل تحسم أيضا في العقول.
فإما أن نكون مواطنين واعين نصنع مستقبلنا، أو مجرد أرقام في معادلة تدار من فوق، حيث يراد لنا أن نبقى فقراء في الجيب… وغائبين في الوعي.