✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
ليس من السهل أن الذاكرة في زمن يراهن على النسيان، ولا أن تستحضر الحكمة في عصر يميل إلى الٱستهلاك السريع للمعنى.. ومع ذلك، نجح الكاتب *حامد الزيدوحي* في أن يجعل من لحظة توقيع كتابه، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، محطة ثقافية تتجاوز حدود الحدث إلى عمق الدلالة.
في الرباط، حيث تتجاور الحداثة مع جذور التاريخ، بدا اللقاء وكأنه محاولة واعية لإعادة الإعتبار لذاكرة طالها التهميش، رغم أنها كانت، لقرون، بمثابة مدرسة موازية تلقن الإنسان المغربي دروس الحياة بأبسط العبارات وأبلغها. لم يكن الأمر ٱحتفاء بكتاب جديد فحسب، بل كان إعلانا ضمنيا عن عودة المعنى إلى الواجهة، بعد أن كاد يزاحم ويقصى.
الكتاب الذي وقعه *الزيدوحي* لا يقدم الأمثال الشعبية بوصفها زخرفا لغويا أو بقايا تراثية جامدة، بل يعيد صياغتها كخطاب حي، قادر على مساءلة الحاضر وفهم تعقيداته.

فالمثل الشعبي، في جوهره، ليس مجرد عبارة مقتضبة، بل هو نظام تفكير مكثف، يعبر عن رؤية جماعية للعالم، ويختزن في بنيته البسيطة تراكما عميقا من التجارب الإنسانية.
ولعل ما ميز هذه اللحظة الثقافية هو ذلك التفاعل اللافت من جمهور متنوع، بدا وكأنه يعيد ٱكتشاف نفسه عبر هذه النصوص القصيرة.
لم يكن الحضور مجرد قراء، بل شركاء في ٱسترجاع ذاكرة مشتركة، حيث تماهت الأصوات وتقاطعت التأويلات، لتكشف أن الأمثال ليست حكرا على الماضي، بل تظل قابلة للتجدد كلما وضعت في سياق جديد.
في هذا السياق، يطرح العمل سؤالا جوهريا:
– كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على حكمته الشعبية دون أن يحولها إلى مجرد أرشيف؟
– وكيف يمكن لهذه الأقوال المتوارثة أن تستعيد فاعليتها في توجيه السلوك، في زمن تتعدد فيه المرجعيات وتتسارع فيه التحولات؟

إن الرهان الحقيقي الذي يحمله هذا الإصدار لا يكمن فقط في جمع الأمثال أو توثيقها، بل في إعادة إدماجها ضمن الوعي المعاصر، بوصفها أداة للفهم والتأمل، لا مجرد إرث يحفظ.
وهنا تتجلى قيمة هذا العمل، الذي يفتح أفقا جديدا للتعامل مع التراث، بعيدا عن النظرة الفولكلورية الضيقة.
لقد أبان هذا الحدث، مرة أخرى، أن الرباط ليست مجرد عاصمة إدارية، بل فضاء رمزي لإعادة تشكيل العلاقة بين الماضي والحاضر، حيث تجد الكلمة موقعها الطبيعي كجسر بين الأجيال، ووسيلة لحفظ ما لا يكتب في كتب التاريخ.
وفي زمن تختزل فيه القيم في عناوين عابرة، يظل هذا النوع من المبادرات الثقافية بمثابة تذكير ضروري بأن المجتمعات التي تنسى حكمتها، تفقد بوصلتها.
أما تلك التي تحسن الإصغاء لذاكرتها، فهي وحدها القادرة على إعادة ٱختراع ذاتها بثقة ووعي.
هكذا، لا يغلق كتاب حامد الزيدوحي عند آخر صفحة، بل يظل مفتوحا على أسئلة أكبر، وعلى رحلة مستمرة نحو فهم أعمق للإنسان… كما عبرت عنه الحكمة الشعبية، في أبسط صورها، وأصدقها.
ليس من السهل أن الذاكرة في زمن يراهن على النسيان، ولا أن تستحضر الحكمة في عصر يميل إلى الٱستهلاك السريع للمعنى.. ومع ذلك، نجح الكاتب *حامد الزيدوحي* في أن يجعل من لحظة توقيع كتابه، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، محطة ثقافية تتجاوز حدود الحدث إلى عمق الدلالة.