أسواق مراكش: بين خطاب التحديث ومفردات “الشناقة” و“الدلالة”… أي نموذج لتدبير مدينة عالمية؟

0 81

مقال تحليلي
بقلم: رشيد زلاغ

في أكثر من مناسبة، شدد الخطاب الملكي السامي على أن “لا تنمية حقيقية وشاملة بدون تغيير العقليات”، وهو توجيه لا يمكن اختزاله في بعده الخطابي، بل يفرض نفسه كمعيار حاسم لقياس مدى التزام الفاعلين العموميين بإعادة صياغة طرق التدبير، خاصة في القطاعات الأكثر التصاقًا بحياة المواطنين، وعلى رأسها الأسواق.
غير أن واقع تدبير الأسواق بمدينة مراكش يكشف، اليوم، عن مفارقة حادة بين خطاب التحديث المعلن، وبين ممارسات ميدانية ما تزال خاضعة لمنطق تقليدي تحكمه مفردات من قبيل “الشناقة” و“الدلالة”، داخل منظومة يفترض أنها دخلت مرحلة الحكامة الحديثة، والرقمنة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
والأكثر حساسية في هذا الملف أن تدبيره يقع تحت المسؤولية المباشرة للنائب الثالث لرئيسة جماعة مراكش، المفوض له قطاع الأسواق الجماعية والملك العمومي، والذي يُفترض فيه أن يكون الفاعل الأساسي في إخراج هذا القطاع من منطق التدبير التقليدي نحو نموذج عصري، خصوصًا في ظل ما راكمه من زيارات مهنية إلى أوروبا وآسيا، حيث نماذج الأسواق الذكية والتنظيم الصارم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم: أين انعكست هذه التجارب على أرض الواقع؟ ولماذا ما يزال الخطاب العملي محصورًا في مفردات “الدلالة” و“الجوطية” بدل بناء نموذج تدبيري حديث فعلي؟
سوق الجملة… من يتحكم فعليًا في الأسعار؟
داخل سوق الجملة للخضر والفواكه، ورغم وجود آليات تنظيمية لتحديد الأسعار، فإن الواقع يكشف عن تعدد مستويات التسعير، وتفاوت واضح بين السعر المرجعي وسعر البيع النهائي.
وتبرز هنا شبكة الوسطاء المعروفة بـ“الشناقة”، ليس فقط كظاهرة سوقية، بل كمؤشر على خلل بنيوي في منظومة التوزيع، وضعف في التحكم في مسار السلع من المصدر إلى المستهلك.
النتيجة أن المستهلك يظل الحلقة الأضعف داخل سلسلة غير شفافة، تُدار خارج منطق الرقابة الفعلية.
سوق الزهور 1… ربع قرن من التعثر تحت مسؤولية مباشرة
بعين إيطي، يقف سوق الزهور 1 كنموذج صارخ لفشل طويل الأمد في تدبير المشاريع العمومية.
مشروع رُصدت له اعتمادات تُناهز 6 مليارات سنتيم، ظل لأكثر من ربع قرن من الزمن بين الإغلاق، والتعثر، وإعادة البرمجة، دون أن يرى النور كفضاء اقتصادي فعلي.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بتأخر الإنجاز، بل بمسؤولية تدبيرية مباشرة، يظل النائب الثالث شاهدًا عليها بحكم إشرافه القطاعي المتواصل، ما يطرح سؤالًا صريحًا: كيف يتحول مشروع بهذا الحجم والزمن إلى ملف مفتوح بلا نهاية واضحة، دون محاسبة أو تقييم جذري لمسار التعثر؟
وفي الوقت الذي تُروَّج فيه تصريحات عن “الدلالة” و“الجوطية” كإطار لفهم السوق المحلي، يبقى السؤال أكثر حدّة: هل هذا توصيف للواقع أم تبرير لاستمرار نفس المنطق التدبيري؟
ثمانية أسواق مغلقة… تراكم أعطاب أم غياب للحسم؟
وجود ثمانية أسواق مغلقة داخل مدينة مراكش لا يمكن اعتباره مجرد معطى إداري.
ورغم الحديث عن مساطر قانونية لإعادة الفتح، فإن الواقع يعكس بطئًا شديدًا وتعقيدًا في المسار، ما يكشف عن غياب مقاربة استباقية حقيقية.
لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: كيف وصلت هذه الأسواق أصلًا إلى حالة الإغلاق في ظل وجود مسؤولية تدبيرية مستمرة ومباشرة؟
“جوطية سوق الخميس”… فوضى مستمرة في قلب مدينة ذكية
يشكل فضاء “جوطية سوق الخميس” واحدًا من أبرز نقاط الاختناق الحضري داخل المدينة، سواء من حيث الحركة التجارية أو الضغط على السير والنظام العام.
ومع الحديث عن مشاريع تجميع أنشطة “الجوطية” و“الدلالة”، يبرز سؤال أكثر حدة: هل نحن أمام إصلاح بنيوي فعلي؟ أم مجرد إعادة توزيع للفوضى داخل فضاءات جديدة دون تغيير في منطق التدبير؟
سوق الواحة… تحديث معلن أم إعادة إنتاج للقديم؟
ضمن مشاريع إعادة الهيكلة، يُطرح سوق الواحة كنموذج للتحديث.
لكن استمرار حضور مفاهيم “الدلالة” و“الجوطية” في النقاش حوله، يثير إشكالًا جوهريًا حول طبيعة التحول الفعلي: هل يتعلق الأمر بتحديث حقيقي في فلسفة تدبير السوق؟ أم إعادة إنتاج لنفس البنية التقليدية داخل واجهة حديثة؟
20 سوقًا خارج الأسوار… أين الأثر الملموس؟
برنامج تأهيل 20 سوقًا خارج الأسوار بغلاف مالي مهم يُقدَّم كأحد مشاريع التحديث الكبرى.
لكن معيار التقييم الحقيقي لا يرتبط بحجم الاستثمار، بل بالأثر:
هل تحسنت شروط العمل؟
هل تقلصت الفوضى؟
هل تغيرت دينامية الأسواق فعليًا؟
إلى حدود اليوم، تظل هذه الأسئلة دون أجوبة ميدانية واضحة.
النائب الثالث… بين زيارات أوروبا وآسيا وواقع لم يتغير
المسؤول المفوض لقطاع الأسواق قام بعدة زيارات مهنية إلى أوروبا وآسيا، للاطلاع على تجارب متقدمة في تدبير الأسواق، تعتمد الرقمنة، والحكامة الصارمة، وحماية المستهلك.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في “الاطلاع”، بل في التحول من المعرفة إلى التطبيق.
فكيف يمكن تبرير استمرار نفس الإشكالات، في الوقت الذي يُفترض أن هذه التجارب كانت مدخلًا لإعادة بناء النموذج المحلي؟
وهنا يطرح السؤال بصيغة مباشرة: أين هي مسؤولية التفعيل؟ وأين نتائج هذه السفريات على واقع الأسواق بمراكش؟
سوق “بالبكار”… نموذج يحرج المنظومة الرسمية
في المقابل، يبرز سوق “بالبكار” كنموذج قائم على التدبير الذاتي من طرف التجار عبر آلية تنظيم داخلية (سانديك).
هذا النموذج أبان عن نتائج ملموسة في التنظيم، النظافة، واستقرار النشاط التجاري، بعيدًا عن التعقيدات البيروقراطية.
وهو ما يفتح مفارقة لافتة: إذا كان التدبير الذاتي أكثر نجاعة، فلماذا لا يتم استلهامه أو إدماجه داخل السياسات العمومية؟
خلاصة: مسؤولية لا يمكن تجاوزها
القضية اليوم لم تعد تقنية ولا قطاعية، بل سياسية وتدبيرية بامتياز، وتتحمل فيها مسؤولية مباشرة من يشرف على القطاع داخل الجماعة.
وبين خطاب التحديث، والزيارات الخارجية، ومشاريع إعادة الهيكلة، وبين استمرار “الشناقة” و“الدلالة” والأسواق المغلقة وتعثر المشاريع، تتسع الهوة بشكل لم يعد يمكن تبريره بالمساطر أو الإكراهات التقنية.
وفي ضوء التوجيه الملكي الواضح بأن لا تنمية بدون تغيير العقليات، يصبح السؤال أكثر مباشرة: هل تم فعلاً تغيير هذه العقليات داخل تدبير قطاع الأسواق؟ أم أن نفس المنطق ما يزال يحكمه، ولكن بأدوات أكثر حداثة فقط؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.