بين الإرهاق الشعبي والإصرار الحكومي

0 321

محمد سيدي: بيان مراكش

منذ أن قررت الحكومة المغربية سنة 2018، في عهد سعد الدين العثماني، فرض العمل بالساعة الإضافية بشكل دائم، دخل الزمن اليومي للمغاربة في حالة من الإضطراب المزمن ، يومها قدم القرار بإعتباره خيارا عقلانيا تفرضه ضرورات الإقتصاد والطاقة ، غير أن ما غاب عن ذلك التبرير هو أن الزمن ليس مجرد معطى تقني قابل للتعديل بمرسوم ، بل هو إيقاع حياة يتداخل فيه النفسي والإجتماعي والتربوي ، ولعل المفارقة أن دولا عديدة بعد تجارب مماثلة ، إختارت التراجع عن هذا النظام بعدما تبين محدودية جدواه ، بل إن النقاش داخل الإتحاد الأوروبي نفسه إنتهى إلى مراجعات عميقة في هذا الإتجاه .

لكن في المملكة المغربية الشريفة إستمر العمل بهذا التوقيت، بل ترسخ أكثر مع الحكومة الحالية ، التي إختارت منطق الإستمرارية بدل فتح ورش التقييم ، وهو إختيار يثير أكثر من سؤال حول طبيعة العلاقة بين القرار العمومي إانتظارات المجتمع ، خاصة في ظل تزايد مظاهر الرفض الشعبي، من عرائض إلكترونية إلى نقاشات يومية تعكس حجم المعاناة الصامتة التي يعيشها المواطن المغربي .

إن الإصرار على الساعة الإضافية، رغم هذا التذمر الواسع، يكشف عن نزعة تدبيرية تختزل الإنسان في معادلات رقمية، وتتجاهل كلفته النفسية والإجتماعية ، فالتلميذ الذي يغادر بيته في ظلام الفجر ، والموظف الذي يواجه إختلالا في نومه وتركيزه ، والأسرة التي فقدت توازنها الزمني ، كلها شواهد حية على أن القرار لم يكن بريئا في أثره ، بل إن ما يقدم كإصلاح إقتصادي ، يتحول في الواقع إلى عبء يومي يثقل كاهل المجتمع ويؤثر في جودة حياته .

و الأخطر من ذلك أن هذا الملف يكشف عن نوع من الصمت الحكومي غير المفهوم ، حيث تغيب الشفافية و الديمقراطية ويستعاض عنها بتبريرات تقنية لم تعد تقنع أحدا ، وكأن الأمر يتعلق بقرار لا يقبل النقاش ، في حين أن أبسط قواعد الحكامة تقتضي التقييم المستمر والتفاعل مع نبض الشارع .فالحكومة القوية ليست تلك التي تصر على قراراتها ، بل التي تمتلك شجاعة مراجعتها حين يتبين قصورها .

و لا يبدو أن النقاش حول الساعة الإضافية يمكن أن يجد أفقه داخل الدوائر الحكومية الضيقة ، بقدر ما يتجه بطبيعته نحو مستوى أسمى من التحكيم المؤسساتي ، لأن الأمل يظل معقودا على السدة العالية بالله مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره ، بما عرف عنه من حكمة وتبصر في ملامسة إنشغالات رعاياه ، من أجل إيلاء هذا الملف ما يستحقه من نظر كريم ، والتفضل بالتوجيه نحو ما يحقق التوازن المنشود ويخفف من الأثر الذي طال الحياة اليومية للمغاربة .

إن مناشدة المؤسسة الملكية تعبر عن ثقة راسخة في دورها التاريخي في تصحيح الإختلالات الكبرى ، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا تمس الحياة اليومية للمغاربة ، فأمير المؤمنين بما يمثله من رمزية ووظيفة تحكيمية ، يظل الملاذ الذي تتجه إليه إنتظارات المواطنين حين تضيق دوائر القرار .

وإذا كانت المؤسسة الملكية، في الوعي الجماعي للمغاربة، تشكل صمام أمان ، فإن مكانتها الدستورية تجعل منها أيضا ضامنا لحسن سير المؤسسات وتوازنها ، وحامية للإختيارات الكبرى التي تؤطر مسار البلاد والعباد ، فـأمير المؤمنين حفظه الله عرف عنه القرب من إنشغالات المواطنين ،و الحريص على أن تظل السياسات العمومية في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى عبء يثقل يومه ويعكر إستقراره .

لقد أثبتت العديد من المحطات أن الرؤية الملكية تتجاوز منطق التدبير الظرفي، لتؤسس لإختيارات متبصرة تراعي التوازن بين متطلبات التنمية وكرامة المواطن ، و يظل الأمل قائما في أن يحظى هذا الملف كسابق غيره من الملفات ذات البعد الاجتماعي، بعناية مولوية سامية تعيد توجيه النقاش نحو أفق أكثر إنصافا، وتفتح المجال أمام مقاربة أكثر إنصاتا لنبض المجتمع.

فالدور الدستوري للمؤسسة الملكية لا يقف عند حدود التحكيم بين المؤسسات ، بل يمتد ليشمل حماية التوازنات الإجتماعية وضمان إنسجام السياسات العمومية مع تطلعات المواطنين. وهو ما يجعل تدخلها، حين تقتضي الضرورة، تجسيدا حيا لروح الدستور، وترجمة فعلية لإلتقاء الشرعية السياسية بالمشروعية المجتمعية.

فإلى متى ستظل الحكومة متمسكة بهذا القرار رغم تزايد التذمر الشعبي، وإلى متى سيبقى المواطنون يعانون من آثار ساعة فرضت عليهم دون مراعاة لإيقاع حياتهم؟! و متى يتحقق التوازن المنشود بين متطلبات التنمية وكرامة الإنسان؟!

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.