حين ينتصر القضاء للكلمة: براءة تعيد الإعتبار لرسالة الصحافة المغربية.

0 367

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في خضم التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي، وبين ٱتساع فضاء التعبير وتزايد منسوب الجدل في الفضاء العام، تظل الصحافة إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى ترسيخ قيم الشفافية والمساءلة.

فهي ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل رسالة تقوم على البحث عن الحقيقة وخدمة الصالح العام، ضمن ضوابط القانون وأخلاقيات المهنة.

 

وفي هذا الإطار، جاء الحكم الصادر عن المحكمة الإبتدائية بمراكش ببراءة مدير جريدة «بيان مراكش»، الصحفي المقتدر، الأستاذ “صلاح الدين زندي”، من (جنحة السب والقذف والتشهير قصد المس بالحياة الخاصة للأفراد)، ليشكل لحظة دالة في مسار العلاقة بين الصحافة والعدالة، ويعيد التأكيد على أن دولة القانون قادرة على تحقيق التوازن بين حرية التعبير وصون كرامة الأفراد.

فالقضايا المرتبطة بالنشر كثيرا ما تثير نقاشا واسعا في المجتمع، لأنها تقع في تقاطع حساس بين حق الصحافة في الإخبار والتعبير، وحق الأفراد في حماية سمعتهم وٱعتبارهم. ولهذا، فإن الإحتكام إلى القضاء يظل السبيل الأمثل لحسم مثل هذه الخلافات بعيدا عن الإنفعالات أو الأحكام المسبقة.

إن الحكم بالبراءة في هذه القضية لا ينبغي النظر إليه فقط بٱعتباره ٱنتصارا شخصيا لصحفي أو لمؤسسة إعلامية، بل باعتباره تأكيدا على مبدأ أعمق: «أن الكلمة الصحفية، حين تمارس في إطار المسؤولية والإلتزام المهني، تبقى جزءا أصيلا من البناء الديمقراطي للمجتمع».

 

فالصحافة في جوهرها، ليست خصما لأحد، بل شريكا في بناء الوعي العام.

وهي حين تطرح القضايا أو تنتقد الٱختلالات، فإنما تفعل ذلك من منطلق الدور الرقابي الذي تضطلع به في المجتمعات الحديثة، غير أن هذا الدور يظل دائما مرتبطا بواجب التحري والدقة وٱحترام أخلاقيات المهنة.

وفي المقابل، يظل القضاء المؤسسة الضامنة لهذا التوازن الدقيق، إذ يضع كل قضية في ميزان القانون، ويفصل فيها وفق المعطيات والوقائع، بعيدا عن الضجيج الإعلامي أو ضغط الرأي العام.

ومن هنا تأتي أهمية مثل هذه الأحكام التي تعزز الثقة في المؤسسات، وتؤكد أن العدالة هي المرجع الأخير في فض النزاعات.

 

لقد شهدت الصحافة المغربية خلال السنوات الأخيرة تحديات متعددة، من بينها التحولات الرقمية المتسارعة وتنامي منصات التواصل الإجتماعي، حيث تختلط أحيانا الأخبار بالمواقف، والوقائع بالإشاعات.. وهو ما يجعل الحاجة إلى صحافة مهنية ومسؤولة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

ومن هذا المنطلق، فإن كل حكم قضائي يعيد الإعتبار لمبدأ حرية التعبير المسؤولة، يشكل دعما معنويا للمهنة الصحفية، ويبعث برسالة مفادها أن الكلمة الصادقة لا ينبغي أن تحاصر بالخوف أو تثقل بالإتهامات المتسرعة.

إن المجتمع الذي يحمي صحافته المهنية هو مجتمع يؤمن بحقه في المعرفة، ويثق في قدرة الكلمة على الإسهام في الإصلاح والبناء.

كما أن الصحافة بدورها، مطالبة بأن تظل وفية لرسالتها الأخلاقية، وأن تجعل من الحقيقة والإنصاف بوصلة دائمة لعملها.

 

وهكذا، فإن حكم البراءة الصادر في مراكش يتجاوز حدود قضية بعينها، ليحمل دلالة أوسع: «أن العدالة حين تنتصر، فإنها لا تنصف الأشخاص فقط، بل تعزز مكانة الكلمة المسؤولة، وتفتح أمام الصحافة آفاقا أرحب لمواصلة أداء دورها في خدمة المجتمع».

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.