5 ساعات في ضيافة “La Visite Technique”: حين يتحول الفحص التقني إلى اختبار للصبر.

0 392

 

بقلم أبو أمين – بيان مراكش

تتمة لمقال سابق تحت عنوان: “مراكز الفحص التقني للسيارات بين ضرورة السلامة وواقع المعاناة اليومية”

 

إذا كانت مراكز الفحص التقني للسيارات تُقدَّم باعتبارها ركيزة أساسية للسلامة الطرقية، فإن تجربة ميدانية امتدت لخمس ساعات كاملة داخل أحد المراكز تكشف وجهاً آخر للواقع: طوابير لا تنتهي، انتظار مفتوح، وضغط نفسي لا مبرر له في زمن الرقمنة وتبسيط المساطر.
منذ الساعات الأولى للصباح، يتجمع المواطنون أمام أبواب المركز؛ بعضهم قدم قبل السادسة صباحاً، وآخرون اضطروا للمبيت قرب المكان لضمان دورٍ في لائحة اليوم. والسبب بسيط: غياب نظام مواعيد قبلي فعّال. فعدد من المراكز يبرر رفضه اعتماد الحجز المسبق بعدم احترام بعض الزبناء لمواعيدهم، غير أن النتيجة العملية هي تحميل الجميع كلفة هذا الخلل التنظيمي.
الواقع اليومي يؤكد أن عدد السيارات التي يمكن فحصها يومياً يظل محدوداً بسبب إكراهات النظام المعلوماتي وبطء المساطر، ما يجعل الطاقة الاستيعابية أقل بكثير من حجم الطلب. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الحضور فجراً والمغامرة بيوم عمل ضائع، أو تأجيل الفحص مع ما يرافق ذلك من غرامات أو تعطيل مصالحه.
مدة الفحص بين الضرورة والتناسب
من بين الأسئلة المشروعة التي يطرحها المرتفقون: لماذا تم تقليص المدة الفاصلة لأول فحص تقني إلى خمس سنوات بدل عشر كما كان معمولاً به سابقاً بالنسبة للسيارات الجديدة؟
فسيارة لم يتجاوز عمرها خمس سنوات، وتخضع عادةً لصيانة دورية لدى مراكز البيع المعتمدة، لا تحتاج في الغالب إلى فحص تقني مبكر ما دامت تحت ضمان الشركة المصنِّعة وفي حالة جيدة. إن العودة إلى نظام عشر سنوات بالنسبة للسيارات الجديدة من شأنه أن يخفف الضغط بشكل ملموس على المراكز، ويقلص عدد الملفات اليومية، ويحدّ بالتالي من الاكتظاظ.
كما أن هذا الإجراء سيخفف عبئاً مالياً غير مبرر عن المواطنين، خاصة في ظل سياق اقتصادي يعرف ضغوطاً متزايدة على القدرة الشرائية. فالسلامة الطرقية لا ينبغي أن تتحول إلى مسطرة متكررة تُثقل الكاهل دون مبرر تقني واضح.
إشكالية الفحص عند تحويل الملكية ومخاطر المشتري
تزداد الإشكالية تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالفحص التقني عند تحويل ملكية السيارة. فكثير من المشترين لا يعلمون بضرورة إعادة الفحص إلا بعد إتمام عملية الشراء، ما يعرّضهم لمفاجآت غير سارة.
فإذا تبيّن وجود أعطاب ميكانيكية جسيمة، أو تحريف في معطيات السيارة، أو حتى شبهة تزوير في الوثائق – بما في ذلك بيانات البطاقة الرمادية (la carte grise) – يجد المشتري نفسه أمام تبعات قانونية ومادية لم يكن على علم بها.
هذا الوضع يكشف خللاً واضحاً في آليات التواصل والإعلام المسبق، ويطرح سؤالاً حول ضرورة إرساء نظام يضمن الشفافية الكاملة قبل إتمام البيع، حمايةً للمشتري وحفظاً لحقوقه، وتفادياً لأي نزاعات لاحقة.
إن تبرير غياب نظام المواعيد بعدم التزام بعض المرتفقين لا يمكن أن يكون حلاً دائماً. فالإدارة الحديثة مطالبة بابتكار آليات تضمن احترام الحجز عبر:
تأكيد إلكتروني إلزامي قبل الموعد
فرض غرامة رمزية في حال التغيب غير المبرر
إعادة جدولة تلقائية للمواعيد الملغاة
توزيع الحصص اليومية بشكل شفاف
إن تحميل الجميع كلفة سوء التنظيم يتعارض مع مبدأ العدالة الإدارية.

ما يعمّق الإحساس بالمعاناة هو شعور بعض المواطنين بأن مسار الفحص قد يطول أو يقصر بحسب “العلاقات” أو “التدويرة”، وهي ممارسات – إن ثبتت – تسيء إلى صورة المرفق العمومي وتضرب الثقة في الصميم.
إن إصلاح هذا القطاع لا يقتصر على تحديث المعدات، بل يمر عبر إعادة الاعتبار لكرامة المرتفق، وترسيخ ميثاق أخلاقي ملزم، واعتماد رقمنة حقيقية تضمن الشفافية والإنصاف.
لا أحد يجادل في أهمية الفحص التقني لحماية الأرواح وضمان شروط السلامة على الطرقات، لكن التنظيم الجيد هو الشرط الأول لتحقيق هذه الغاية دون تحويلها إلى مصدر احتقان.
خمس ساعات داخل مركز فحص تقني ليست مجرد انتظار عابر، بل مؤشر على حاجة ملحّة لإصلاح إداري حقيقي. فالمرفق العمومي الناجح هو الذي يحقق السلامة دون أن يرهق المواطن، ويطبق القانون دون أن يختبر صبر الناس كل صباح.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.