من سخرية محمود درويش إلى يوميات المواطن المغربي تحت رحمة الغلاء!….

0 338

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

«نحن نعيش مع حكومة لو علمت أن غدا يوم القيامة لرفعت ثمن سجادة الصلاة»
عبارة ساخرة متداولة تنسب إلى “محمود درويش”.
ليست قيمة هذه العبارة الساخرة في مدى صحة نسبتها إلى صاحبها، بقدر ما تكمن في قدرتها على ٱختزال منطق ٱقتصادي وٱجتماعي كامل في جملة واحدة:
«حين يصبح كل شيء قابلا للزيادة في السعر، حتى أبسط الأشياء وأكثرها رمزية، يصبح الغلاء نفسه نوعا من السخرية السوداء التي لا تترك للمواطن سوى أن يضحك… كي لا يبكي».

واليوم، ونحن نعيش تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المغربي، تبدو هذه السخرية أقرب إلى مرآة تعكس واقعا ثقيلا.
فالمواطن لم يعد يسأل:
– ماذا سأشتري؟
بل أصبح السؤال الأكثر واقعية:
– ماذا أستطيع أن أشتري؟
وهنا يكمن الفرق…
لم تعد قضية الغلاء مجرد ٱرتفاع في ثمن سلعة هنا أو خدمة هناك، بل تحولت إلى ضغط يومي ينهك الأسرة، ويعيد ترتيب أولوياتها قسرا. راتب يدخل الجيب، ثم سرعان ما يجد نفسه محاصرا بين كلفة الكراء، وفواتير الماء والكهرباء، ومصاريف النقل، والغذاء، والتعليم، والعلاج، وغيرها من الإلتزامات التي لا تعرف معنى للتأجيل.
والمفارقة أن المواطن المغربي أصبح، رغما عنه، خبيرا في الإقتصاد!
يعرف سعر الزيت، والخبز، واللحم، والسمك، والخضر، والدواء، والنقل، والكراء، والمحروقات… ويعرف كذلك أن دخله هو الحلقة التي يبدو أنها لا تتحرك دائما بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الأسعار.
يا لها من معادلة ٱقتصادية عجيبة!
كل شيء يصعد… إلا قدرة المواطن على اللحاق به.
تفتح هاتفك صباحا، فتقرأ عن مؤشرات ٱقتصادية ونسب نمو وتوقعات إيجابية، ثم تخرج إلى السوق، فتكتشف أن المواطن لديه مؤشرات أخرى لا تحتاج إلى خبراء ولا إلى تقارير.
إنه يضع يده في جيبه، فإذا وجد النقود أقل من حاجياته، عرف فورا أن هناك شيئا لا يسير على ما يرام.
فالإقتصاد، بالنسبة إلى المواطن البسيط، ليس أرقاما في الجداول فقط، إنه ما يوجد في سلة المشتريات، وما يتبقى في المحفظة بعد أداء الفواتير، وما يستطيع الأب أن يضعه على مائدة أسرته في نهاية الشهر.
ولهذا، لم يعد المواطن يسأل فقط عن أسباب الغلاء، بل بدأ يسأل سؤالا أكثر إلحاحا:
– من يفهم معاناته؟

عندما ترتفع كلفة المحروقات، تتأثر معها كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وتتحرك أسعار عدد من السلع والخدمات.
وعندما ترتفع كلفة الإنتاج، يجد المستهلك نفسه في نهاية السلسلة أمام الفاتورة.
وفي كل مرة، يجد المواطن نفسه مطالبا بفهم السوق، وفهم الظرفية الدولية، وفهم التضخم، وفهم الإصلاحات، وفهم تقلبات الأسعار.
لكن السؤال الذي لا يجد جوابا دائما هو:
– ومن سيفهم المواطن؟

هل يستطيع الأب، عندما يصل آخر الشهر، أن يقول لصاحب البيت:
– «راتبي مرتبط بالظرفية الدولية»؟
هل يستطيع أن يقول لبائع المواد الغذائية:
– «سأؤدي لك عندما تتحسن القدرة الشرائية»؟
هل يمكنه أن يخبر الصيدلية:
– «ميزانيتي لم تعد تسمح بأداء واجب الدواء؟»
بالطبع لا وألف ألف لا.

صاحب البيت يريد كراءه، والمدرسة تريد مصاريفها، وشركة الماء والكهرباء تريد مستحقاتها، والصيدلية تريد ثمن الدواء، ومحطة الوقود لا يمكنها أن تتعامل مع المواطن وفق وضعه الإجتماعي.
وفي النهاية، يبقى المواطن مطالبا بأن يفهم الجميع.
يفهم الحكومة، ويفهم السوق، ويفهم التضخم، ويفهم الإصلاحات، ويفهم الأزمة الدولية…
لكن من يشرح له:
– لماذا أصبح الوصول إلى نهاية الشهر أشبه بسباق طويل، وكلما ٱقترب من خط النهاية ٱكتشف أن الخط قد ٱبتعد أكثر؟

المشكلة الحقيقية ليست أن المواطن يريد حياة مترفة.
هو لا يطلب قصرا، ولا سيارة فارهة، ولا عطلات في المنتجعات…
إنه يريد شيئا أكثر بساطة:
-أن يعيش بكرامة.
-أن يشتري حاجيات أسرته دون أن يشعر بأنه يخوض معركة ٱقتصادية كل صباح.
-أن يربي أبناءه دون أن تتحول المدرسة والملابس والكتب والنقل والطعام إلى حسابات مرهقة.
-أن يمرض دون أن يتحول المرض إلى تهديد لميزانية الأسرة.
-وأن يتقدم في العمر دون أن يخاف من اليوم الذي يصبح فيه عاجزا عن تأمين ضروريات الحياة.

إن أخطر ما في الغلاء ليس الرقم الذي يظهر على بطاقة السعر وحده، وإنما الشعور الذي يتركه خلفه.
فحين يصبح المواطن مضطرا إلى حذف حاجيات أساسية من قائمته، وتأجيل أخرى، وٱستبدال ثالثة بأرخص منها، فإن المسألة لا تعود مجرد ٱستهلاك.. إنها تمس جودة الحياة نفسها.
والأخطر من ذلك هو تآكل الأمل.
لأن المواطن يستطيع أن يتحمل أزمة مؤقتة إذا كان مقتنعا بأنها ستنتهي، لكنه يصبح أكثر قلقا عندما يشعر أن الغد لن يكون أفضل من اليوم، وأن أبناءه قد يعيشون الضغوط نفسها، وأن العمل والإجتهاد لم يعودا وحدهما كافيين لضمان حياة كريمة.
وهنا تنتقل المسألة من الإقتصاد إلى الثقة.
الثقة في المؤسسات.
الثقة في السياسات العمومية.
والثقة في أن التنمية لا ينبغي أن تقاس فقط بما تحققه الأرقام، وإنما أيضا بما يشعر به المواطن داخل بيته.
– فما قيمة نمو ٱقتصادي لا يجد صداه في القدرة الشرائية؟
– وما قيمة المؤشرات الإيجابية إذا كان المواطن يشعر أن جيبه يسير في الإتجاه المعاكس؟

إن المواطن لا يريد أن يسمع فقط أن الإقتصاد يتحسن، إنه يريد أن يشعر بذلك التحسن.
يريد أن يرى أثره في السوق، وفي فاتورة الكهرباء، وفي كلفة النقل، وفي التعليم، وفي العلاج، وفي قدرته على توفير حياة محترمة لأسرته.
كما يريد سياسات ٱجتماعية تحمي الفئات الهشة، ومنافسة حقيقية تحد من الإحتكار، ومواجهة أكثر صرامة لكل أشكال الريع والفساد، وإدارة عمومية تجعل المواطن يشعر بأنه صاحب حق، لا مجرد طالب خدمة.
فالمواطن ليس مجرد مستهلك يدفع.
إنه شريك في الإقتصاد، ودافع للضرائب، وعامل، وموظف، ورب أسرة، وشاب يبحث عن مستقبله، وأم تحاول تدبير ميزانية بيتها.
ولا يمكن بناء الثقة الإجتماعية إذا ظل المطلوب منه دائما أن يدفع أكثر، ويستهلك أقل، ويصبر أكثر، ويشتكي أقل.
هذه ليست معادلة للطمأنينة، إنها وصفة مثالية لصناعة الإحباط.
وهنا تعود عبارة:
«سجادة الصلاة» إلى الواجهة، لا بٱعتبارها حديثا عن سجادة أو عن سعر سلعة بعينها، وإنما بٱعتبارها ٱستعارة ساخرة عن عالم يصبح فيه كل شيء قابلا للتسعير.
فالمشكلة ليست في سعر السجادة، المشكلة في أن يصل المواطن إلى مرحلة يشعر فيها أن أبسط تفاصيل حياته أصبحت عبئا على جيبه.
وهنا يصبح السؤال أخلاقيا قبل أن يكون ٱقتصاديا:
– هل يمكن أن يكون الاقتصاد قويا والمواطن ضعيفا؟
– وهل يمكن أن نتحدث عن تنمية مستدامة إذا كان جزء من المجتمع يعيش يومه وهو منشغل بٱستمرار بكيفية تدبير ضروريات الغد؟
– ومن يدفع ثمن القلق الذي لا يظهر في أي ميزانية؟
– من يدفع ثمن الأحلام المؤجلة؟
– من يدفع ثمن شاب درس سنوات ثم وجد نفسه عاجزا عن بناء مستقبله؟
– ومن يدفع ثمن أب يضع قائمة حاجيات أسرته أمامه، ثم يبدأ في حذف بعضها واحدا تلو الآخر؟
– ومن يدفع ثمن أم تضطر إلى الإختيار بين حاجتين كلتاهما ضروريتان لأن دخل الأسرة لا يسمح بالإثنتين؟

هذه هي الفاتورة الخفية للغلاء.
فاتورة لا تظهر في أرقام الميزانية، ولا تختزلها نسب النمو، ولا تقيسها المؤشرات الإقتصادية وحدها.
إنها فاتورة نفسية وٱجتماعية وإنسانية.
وفي النهاية، ربما يكون من حسن حظنا أن سجادة الصلاة لم تتحول بعد إلى رمز جديد للترف!
لكننا نخشى أن يأتي يوم، من شدة السخرية، يسأل فيه المواطن قبل أن يشتريها:
«هل هذا السعر شامل للضريبة… أم أن التقوى أيضا أصبحت خاضعة للتضخم؟»
عندها فقط، لن تكون السخرية قد سبقت الواقع.
بل سيكون الواقع هو الذي سبق السخرية.
وسيكون المواطن المغربي قد وصل إلى أخطر مرحلة: «أن يصبح الغلاء عاديا، وأن تصبح المعاناة يومية، وأن يتحول الصبر من فضيلة مؤقتة إلى أسلوب حياة».

وهنا، لا يحتاج المواطن إلى المزيد من الخطب.
إنه يحتاج إلى أن يرى فرقا حقيقيا بين ما يقال عن الإقتصاد… وما يعيشه في جيبه.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، إنه يريد فقط أن يشعر بأن الوطن الذي يحبه، يحرص أيضا على أن يعيش أبناؤه فيه بكرامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.