*فلسطين في شوارع المغرب… أنا مع القضية، وضد المتاجرة بها والفوضى باسمها!* .

0 147

 

 

✍🏼بقلم: الكاتب الصحفي

[ذ.هشام الدكاني]

 

لم تعد المظاهرات المساندة للقضية الفلسطينية مجرد تعبير عن التضامن مع شعب يعاني ويلات الإحتلال والحرب، بل أصبحت أيضا موضوعا لنقاش مجتمعي بين من يعتبرها واجبا إنسانيا وأخلاقيا، ومن يتساءل عن جدواها، ومن يرفض بعض أساليبها أو شعاراتها.

وبين هذه المواقف، يظل السؤال الأساسي:

– كيف ندافع عن قضية عادلة دون أن نسمح بٱستغلالها سياسيا أو الإساءة إليها بسلوكيات لا علاقة لها بأهدافها؟

 

موقفي واضح، ولا يحتاج إلى تأويل.. أنا مع فلسطين، ومع حق المواطنين المغاربة في التعبير السلمي عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، لكنني ضد ٱستغلال هذه القضية النبيلة لتصفية الحسابات السياسية أو تحقيق المكاسب الحزبية أو ممارسة المزايدات على حساب معاناة شعب يستحق الحرية والكرامة وتقرير المصير.

ففلسطين ليست ملكا لحزب أو تيار أو جماعة، وليست ورقة ٱنتخابية ترفع عند الحاجة ثم تطوى عندما تتغير المصالح، إنها قضية حقوق شعب، وموقف إنساني لا ينبغي أن يخضع لمنطق الٱحتكار أو المزايدة، ومن حق المغاربة أن يختلفوا حول أساليب التضامن ووسائله، لكن ليس من المقبول تحويل هذا الٱختلاف إلى محاكمة للنوايا أو ٱحتكار للوطنية والإنسانية.

 

إن الفصل [29 من الدستور المغربي] يضمن حريات الإجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، مع إخضاع ممارستها للشروط التي يحددها القانون، وهذا يعني أن الإحتجاج السلمي حق دستوري، وليس منة من أحد، كما أن ممارسته لا تعفي أي شخص من ٱحترام القانون وحقوق الآخرين.

ومن هذا المنطلق، أتفهم دوافع الذين يخرجون إلى الشارع رفضا لمعاناة الفلسطينيين، وأحترم حقهم في التعبير عن مواقفهم بالوسائل السلمية.

كما أتفهم حق من يناقش جدوى هذه المظاهرات أو ينتقد بعض شعاراتها وممارساتها، شريطة ألا يتحول النقد إلى تحريض أو إساءة أو محاولة لإسكات الآخرين.

لكن ما لا أتقبله هو الخطاب الذي يختزل التضامن مع فلسطين في العبارة المستفزة: «لي بغا فلسطين يمشي لعندهم!»

– أي منطق هذا الذي يجعل التضامن مع المظلوم مشروطا بالذهاب إلى أرضه؟

– وهل أصبح المواطن مطالبا بأن يعبر الحدود أو يعيش المأساة بنفسه حتى يحق له التعبير عن رفض الظلم؟

– وهل فقد التضامن الإنساني معناه لأن صاحبه لا يوجد في قلب المعركة؟

 

إن هذا القول يتجاهل حقيقة بسيطة، وهي أن التضامن لا يعني بالضرورة المشاركة المباشرة في الحرب، بل يمكن أن يكون موقفا أخلاقيا، أو دعما إنسانيا، أو عملا قانونيا ودبلوماسيا، أو مساهمة في الدفاع عن حقوق الشعوب.

وليس مطلوبا من كل مغربي أن يذهب إلى فلسطين حتى يثبت صدق موقفه منها.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن حق التظاهر لا يعني تبرير كل سلوك يصدر خلال التجمعات، ولا منح أي شخص حصانة من المساءلة، وهنا أؤكد أنني ضد كل من يستغل التجمعات السلمية، إن ثبت تورطه، لٱرتكاب السرقة أو التخريب أو الإعتداء على الأشخاص والممتلكات أو إثارة الفوضى.

فلسطين ليست غطاء للسرقة، والتضامن ليس ترخيصا للفوضى، والٱحتجاج السلمي ليس حصانة من القانون.

 

إن ٱرتكاب أفعال إجرامية، متى ثبتت بأدلة معتبرة، لا يخدم القضية الفلسطينية ولا يخدم المواطنين الذين خرجوا للتعبير عن تضامنهم معها، بل يسيء إلى صورة الإحتجاج السلمي، ويخلط بين المطالب المشروعة والتصرفات التي تستوجب المساءلة القانونية.

ومع ذلك، فإن المسؤولية يجب أن تظل فردية، ولا يجوز وصف جميع المتظاهرين بأوصاف مسيئة بسبب أفعال منسوبة إلى بعض الأشخاص.

كما ينبغي ألا توجه ٱتهامات محددة بالسرقة أو التخريب إلى أي شخص دون دليل، وألا يستبق حكم القضاء في الوقائع المعروضة عليه. فقرينة البراءة وٱحترام كرامة الأشخاص جزء من دولة القانون، مثلما أن حماية الممتلكات والأمن العام مسؤولية لا يجوز الإستهانة بها.

إنني أرفض، بالقدر نفسه، المتاجرة السياسية بالقضية الفلسطينية، وٱستغلال مشاعر المتضامنين لتحقيق مصالح خاصة، وٱستغلال التجمعات السلمية لٱرتكاب أفعال مخالفة للقانون، كما أرفض ٱتخاذ هذه التجاوزات المحتملة ذريعة للتشكيك في حق المواطنين في التعبير السلمي.

أما النقاش المتعلق بالتطبيع والعلاقات مع إسرائيل، فينبغي أن يظل نقاشا سياسيا ومجتمعيا مسؤولا، تعرض فيه المواقف والحجج بوضوح، بعيدا عن التخوين والتشهير والإتهامات غير المثبتة.

فالإختلاف في الرأي لا يسقط حقوق المواطنين، كما أن التعبير عن موقف سياسي لا يبرر الإعتداء على حقوق الآخرين.

 

إن نصرة فلسطين لا تتوقف عند رفع الشعارات أو المشاركة في المسيرات، بل تحتاج إلى عمل إنساني مسؤول، ودعم المبادرات الإغاثية الموثوقة، ومساندة الجهود القانونية والدبلوماسية، والدفاع عن حماية المدنيين والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

كما تحتاج إلى خطاب متزن لا يسمح بتحويل القضية إلى وسيلة للفرقة أو إلى ستار لسلوكيات تضر بالمجتمع.

أنا مع فلسطين، لا مع المتاجرة بفلسطين.

مع التظاهر السلمي، لا مع الفوضى.

مع حرية التعبير، لا مع الإعتداء على حقوق الآخرين.

وضد كل من يردد «لي بغا فلسطين يمشي لعندهم»، وكأن التضامن الإنساني تهمة تستوجب السخرية أو الإدانة.

وفي الوقت نفسه، أرفض أن يتخذ أي شخص من فلسطين ذريعة للسرقة أو التخريب أو الإعتداء، وأطالب بأن تتم معالجة كل مخالفة وفق القانون، وبالأدلة والإجراءات القانونية الواجبة، دون تعميم أو ٱنتقام أو ٱستهداف للمحتجين السلميين.

فالقضية الفلسطينية أكبر من الأحزاب والحسابات الضيقة، وأسمى من المزايدات، وأنبل من أن تتحول إلى غطاء لتجاوز القانون.

ومن يريد نصرتها فليدافع عن حقوق شعبها بصدق ومسؤولية، ومن يريد ٱنتقاد أساليب الإحتجاج فليفعل ذلك بالحجة، ومن يثبت تورطه في جريمة فليتحمل مسؤوليته أمام القضاء.

 

فلسطين لا تحتاج إلى المتاجرين بٱسمها، ولا إلى الفوضى التي تسيء إلى المتضامنين معها، ولا إلى إسكات الأصوات التي تدافع عن حقوق شعبها.

إنها تحتاج إلى ضمير حي، ومواقف مسؤولة، وعمل جاد يحفظ كرامة الإنسان ويحترم القانون.

فالوقوف مع المظلوم لا يتعارض مع دولة القانون، بل إن قيمته تزداد حين يجتمع التضامن مع المسؤولية، والحرية مع ٱحترام حقوق الآخرين.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.