✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
ليست كل الجراح ترى بالعين، فهناك جراح تسكن النفس، وقد يظل أثرها سنوات طويلة، خاصة عندما يكون صاحبها طفلا لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره. فالطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية، بل هي أساس بناء الشخصية، وكل تجربة قاسية خلالها قد تترك ندوبا يصعب محوها.
تثير بعض الوقائع، حين يكون طرفها طفلا، أسئلة عميقة حول الأثر النفسي الذي قد تخلفه بعض التصرفات الفردية، خاصة إذا ٱرتبطت بأشخاص يرتدون الزي الرسمي الذي يفترض أن يرمز إلى الحماية والأمان. ووفق ما تم الٱطلاع عليه من معطيات، فقد عاش طفل، خلال فترة إقامته بسكن مشترك مع إحدى الموظفات الشرطيات بمدينة فاس، تجربة تركت أثرا نفسيا واضحا في نفسه، حتى أصبح ينظر إلى الزي الرسمي بعين الخوف بعدما كان يراه رمزا للحماية والٱطمئنان.
ومن الضروري التأكيد، بكل مسؤولية، أن هذا المقال لا يستهدف المؤسسة الأمنية، التي تستحق كل التقدير والٱحترام، لما تضمه من نساء ورجال يؤدون واجبهم بإخلاص ويجسدون قيم الإنضباط وخدمة الوطن والمواطن.
وقد سبق الإشادة بأدوارها في العديد من المناسبات والمقالات، لأن أي تصرف فردي، إن ثبت وقوعه، يبقى مسؤولية شخصية لا يجوز تعميمها على مؤسسة وطنية عريقة.
غير أن الطفل لا يميز بين السلوك الفردي وصورة المؤسسة، فهو يبني قناعاته من خلال ما يراه ويعيشه ويشعر به.
ولذلك، فإن أي موقف يبعث الخوف في نفسه قد يجعله ينظر إلى الزي الرسمي بمنظار مختلف، وهو أمر يدعو إلى التفكير والتأمل، لأن علاقة الأطفال بمؤسسات الدولة يجب أن تقوم على الثقة والطمأنينة، لا على الخوف والرهبة.
وحين يصل الأمر إلى حد فقدان الطفل شعوره بالأمان، وٱضطرار أسرته إلى تغيير محل سكنها حفاظا على ٱستقراره النفسي، فإن القضية تتجاوز حدود الخلاف الشخصي، لتصبح مسألة تستحق الإهتمام من زاوية حماية حقوق الطفل وصون الثقة في المؤسسات.
إن هيبة الزي الرسمي لا تبنى بالخوف، وإنما تبنى بالإحترام، وحسن التواصل، والتطبيق السليم للقانون، وبالسلوك الذي يجعل المواطن، صغيرا كان أو كبيرا، يشعر بأن رجل وٱمرأة الأمن عنوان للحماية والعدل والسكينة.
ومن هذا المنطلق، يظل الأمل معقودا على أن تحظى مثل هذه الوقائع، متى عرضت على الجهات المختصة، بما تستحقه من ٱهتمام وعناية، بما يعزز ثقة المواطنين ويصون الصورة المشرفة للمؤسسة الأمنية، التي تستحق أن تبقى محل ٱحترام الجميع.
إن الغاية من هذا المقال ليست توجيه الإتهام إلى شخص بعينه، ولا التشهير بأحد، وإنما الدفاع عن حق كل طفل في أن ينشأ في بيئة آمنة، وأن يظل الزي الرسمي، في وجدانه، عنوانا للأمان والنجدة، لا سبباً للخوف والٱضطراب.
فالمؤسسات القوية لا تضعف أمام النقد المسؤول، بل تزداد قوة عندما تنصت إليه، وتتعامل معه بٱعتباره فرصة لتعزيز الثقة وترسيخ دولة الحق والقانون.
ويبقى الأمل قائما في أن يظل كل طفل مغربي، كلما وقعت عيناه على الزي الرسمي، يشعر بالٱعتزاز والطمأنينة، لأن أمن الوطن يبدأ من أمن الطفل، وثقة المواطن تبدأ من ٱحترام إنسانيته.