عماد أشيبان يكتب : حين يُهمَّش التأطير… يُترك الشباب لمهب الريح

0 502

ما شهدته مدينتا سبتة ومليلية خلال الأيام الأخيرة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد أحداث ظرفية، بل هو رسالة قوية تدعونا جميعاً إلى مراجعة الكثير من القناعات. فحين تغيب مؤسسات التأطير، وتضعف فضاءات التكوين، ويتراجع دور الأحزاب في احتضان الشباب والاستماع إلى انشغالاتهم، يصبح الفراغ هو السيد، ويصبح الشباب أكثر عرضة للاندفاع وراء كل دعوة أو وهم أو طريق مجهول.
لقد علمتنا التجارب أن الشباب لا يحتاج فقط إلى فرص الشغل، بل يحتاج أيضاً إلى من يؤمن به، ويستثمر في وعيه، ويمنحه فضاءً للتعلم والنقاش والمشاركة. فالتأطير ليس ترفاً سياسياً، بل هو استثمار استراتيجي في أمن المجتمع واستقراره ومستقبله.
وأقول هذا انطلاقاً من تجربة عشت تفاصيلها بكل صدق. فخلال فترة تحملي مسؤولية تدبير شؤون حزب الأصالة والمعاصرة بتراب مقاطعة سيدي يوسف بن علي، لم يكن هدفي تدبير مرحلة تنظيمية عابرة، بل حملت فكرة ورؤية واضحة تقوم على إعادة الاعتبار لدور الشباب داخل العمل الحزبي، وجعل مقر الحزب مدرسة للمواطنة، ومنبراً للحوار، وفضاءً للتكوين وصناعة المبادرات.
وأشهد الله أن تلك الفكرة لم تكن مجرد شعار، بل كانت مشروعاً آمنت به بكل قناعة، ووفقني الله عز وجل إلى إقناع مجموعة من الشباب والشابات بالانخراط فيه، إيماناً منهم بأن العمل السياسي الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان قبل البحث عن المواقع والمسؤوليات. كانوا يؤمنون بالفكرة، لا بالأشخاص، وبالمشروع، لا بالمصالح.
ومع مرور الوقت، بدأت تلك المبادرة تؤتي ثمارها، واتسعت دائرة المنخرطين، وبرزت طاقات شابة تحمل أفكاراً جديدة وروحاً إيجابية، وأصبح للمشروع أثر واضح داخل المقاطعة. لكن، وللأسف، كلما اقترب النجاح، اشتدت محاولات إفشاله. فتعرضت التجربة لمحاربة ممنهجة من جهات متعددة، ليس لأنها كانت فاشلة، بل لأنها كانت تنجح، ولأنها كانت تصنع قاعدة شبابية واعية ومستقلة، وهو ما لم يرق لمن اعتادوا التعامل مع الشباب ككتلة انتخابية موسمية، لا كشريك في صناعة القرار.
وبعد استحقاقات 2021، تم إجهاض تلك التجربة، وانطفأت شرارة كانت قادرة على أن تتحول إلى نموذج حقيقي في التأطير والتكوين. وتراجعت الدينامية، وتفككت القاعدة الحزبية، وضاعت جهود سنوات من العمل، لأن منطق الحسابات الضيقة انتصر على منطق الاستثمار في الإنسان.
واليوم، ونحن نتابع أحداث سبتة ومليلية، لا يسعني إلا أن أتساءل: كم من مشروع تأطيري أُجهض؟ وكم من شاب فقد الثقة لأنه لم يجد من يحتضن طاقته؟ وكم من فرصة ضاعت لأن البعض خاف من نجاح مبادرات قد تُفرز جيلاً جديداً من الكفاءات؟
إن الوطن لا يخسر عندما ينجح الشباب، بل يخسر عندما يُقصى الشباب. ولا تُبنى الدول بإضعاف النخب الصاعدة، وإنما بتمكينها وتأهيلها وفتح المجال أمامها لتحمل المسؤولية.
ولعل الدرس الأهم اليوم هو أن مستقبل المغرب لن يُصنع فقط بالبرامج والمشاريع، وإنما أيضاً بإحياء ثقافة التأطير والتكوين، وإعادة الأحزاب إلى دورها الطبيعي في صناعة الوعي، لا في تدبير الاستحقاقات فقط.
قد تُجهض المبادرات، وقد تُحارب الأفكار، وقد يُقصى أصحاب المشاريع، لكن الفكرة الصادقة لا تموت، لأنها تظل حية في عقول من آمنوا بها، وفي ضمير كل من أدرك أن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن الوطن يحتاج إلى شباب واعٍ أكثر مما يحتاج إلى شعارات موسمية.
وإذا كانت أحداث سبتة ومليلية قد أقلقت الجميع، فإن علاج القلق لا يكون بردود الأفعال، بل بالعودة إلى الجذور: تأطير حقيقي، وتكوين مستمر، وثقة في الشباب، لأنهم ليسوا مشكلة ينبغي تدبيرها، بل هم الحل الذي ينبغي الاستثمار فيه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.