حين يُقطع الهاتف بسبب فاتورة… ويبقى العقار رهينة مسطرة الإفراغ!
بقلم: إبو أمين ” بيان مراكش ”
كيف يعقل أن يتأخر المواطن عن أداء فاتورة هاتفه، فتجد شركة الاتصالات نفسها قادرة على تعليق الخدمة؟ وكيف يمكن أن يتوقف عنه الماء أو الكهرباء بسبب عدم أداء المستحقات؟ بينما إذا تعلق الأمر بعقار تبلغ قيمته مئات الآلاف أو ملايين الدراهم، فإن مالكه قد يجد نفسه أمام مسار طويل ومعقد عندما يتوقف المكتري عن أداء واجبات الكراء؟
إنها مفارقة تستحق أن تُطرح على طاولة النقاش العمومي.
فالعقار ليس «خطًا هاتفيًا» يمكن توقيفه بضغطة زر، ولا عدادًا يمكن رفعه. إنه ملكية قد تكون ثمرة عقود من العمل والادخار، وقد يكون مصدر دخل أساسيًا لصاحبه وأسرته.
ومع ذلك، فإن استرجاعه عند وقوع نزاع كرائي قد يتحول إلى رحلة طويلة بين الإنذار، والمفوض القضائي، والمحكمة، والأحكام، وإجراءات التنفيذ، وربما الطعون، في مسار قد يمتد لأشهر طويلة.
المكتري له حقه في السكن أو استغلال المحل وفق القانون والعقد، والمالك له حقه في التوصل بواجبات الكراء في مواعيدها.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول عدم الأداء من تأخر عابر إلى امتناع مستمر؟
المشكلة لا تنتهي عند الأشهر التي لم يؤد عنها المكتري واجبات الكراء.
هناك خسارة مداخيل، وهناك مصاريف وصيانة والتزامات مرتبطة بالعقار،….وهناك أيضًا فرصة ضائعة لإعادة كرائه لشخص آخر.زد على كل ذلك أداء واجبات الماء والكهرباء لأن العداد يكون باسم المالك وهناك كذلك التصريح بالضريبة
وفي بعض الحالات، قد يجد المالك نفسه بعد سنة أو أكثر أمام عقار لا يستفيد منه،و يصبح عالة عليه تستنزف منه مصاريف إضافية ولا يستطيع استثماره، ولا يحصل على واجبات كرائه
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة بدأت تدفع بعض المالكين إلى اتخاذ قرار بسيط:
إغلاق العقار أفضل من الدخول في مغامرة كرائية جديدة.
وهكذا تصبح شقق ومنازل ومحلات تجارية مغلقة، ليس لأنها غير صالحة للاستغلال، وإنما لأن أصحابها فقدوا الثقة في سهولة استرجاعها عند وقوع نزاع.
هناك مكتَرون يحترمون التزاماتهم، يؤدون واجباتهم بانتظام، ويحافظون على العقارات التي يسكنونها أو يستغلونها.
لكن هناك، في المقابل، حالات يكون فيها عدم الأداء واضحًا، ويجد المالك نفسه مضطرًا إلى الدخول في مسطرة طويلة لاسترجاع حقه.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح على المشرّع والفاعلين في المجال العقاري والقضائي هو:
هل يمكن وضع آليات أكثر سرعة وفعالية في حالات عدم أداء واجبات الكراء عندما يكون الأمر ثابتًا بالوثائق والعقد والإجراءات القانونية؟
هل يمكن تعزيز الوساطة والصلح قبل وصول النزاع إلى مراحل طويلة؟
المالك أيضًا يحتاج إلى الحماية
كثيرًا ما يُنظر إلى المالك باعتباره الطرف الأقوى في العلاقة الكرائية، وكأن مجرد امتلاكه للعقار يجعله في موقع قوة دائم.
لكن الواقع قد يكون مختلفًا.
فقد يكون المالك شخصًا متقاعدًا، أو أرملة، أو أسرة تعتمد على مداخيل عقار صغير لتغطية مصاريفها، أو شخصًا اقترض وبنى عقارًا على أمل أن يوفر له موردًا مستقرًا.
وعندما يتوقف الكراء، قد تتوقف معه ميزانية أسرة بأكملها.
لذلك فإن حماية المالك لا تعني بأي حال من الأحوال إضعاف حماية المكتري.
بل تعني ببساطة أن لكل طرف حقًا يجب أن يجد طريقًا سريعًا وفعالًا إلى العدالة.
المفارقة التي تستحق التأمل هي أن المواطن عندما لا يؤدي فاتورة خدمة صغيرة نسبيًا، يمكن أن يفقد الاستفادة من تلك الخدمة وفق الشروط والمساطر المحددة.
أما عندما يتعلق الأمر بعقار قد تساوي قيمته عشرات أو مئات المرات قيمة تلك الخدمات، فإن استرجاعه عند عدم أداء الكراء قد يصبح رحلة طويلة من «الطلوع والهبوط» بين الإجراءات والمحاكم والتنفيذ.
فهل نحن بحاجة إلى مراجعة فلسفة المساطر الكرائية؟
ليس بهدف إعطاء المالك «شيكًا على بياض»، وليس بهدف تعريض المكتري للطرد التعسفي، وإنما بهدف الوصول إلى معادلة عادلة:
مكتري محمي من التعسف… ومالك محمي من المماطلة.
فإذا كان القانون يحمي المكتري، فيجب أن يحمي المالك أيضًا.
وإذا كان القضاء يضمن حقوق الطرفين، فينبغي أن تكون العدالة ناجزة لا مؤجلة إلى درجة تفقد معها الملكية قيمتها الاقتصادية والاستثمارية.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال ليس: «مع من نقف؟»
بل:
كيف نجعل الكراء علاقة آمنة للطرفين، حتى لا يصبح العقار المغربي مشروعًا مغلقًا خوفًا من مسطرة الإفراغ؟