حين لا يكون الهروب من الفقر… بل من الإهانة!….

0 344

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ولعل أكثر ما هزني شخصيا وأنا أتابع هذه الأحداث، لم يكن مشهد الشباب وحده، ولا حتى حضور النساء والأطفال وذوي الٱحتياجات الخاصة في موجة الهروب، وإنما حديث دار بيني وبين صديق يبلغ من العمر (خمسة وستين عاما).

كنا نتحدث عن ما جرى مؤخرا في “سبتة”، وعن هؤلاء الذين قرروا المخاطرة بكل شيء بحثا عن ضفة أخرى، فإذا به يقول لي، بكل هدوء، وبكلمات بقيت عالقة في ذهني:
«لولا ظروفي الصحية، لهربت أنا أيضا».
صدمت.. نعم صدمت، ليس لأنه رجل يبحث عن لقمة عيش مفقودة، ولا لأنه عاجز عن تدبير حياته، ولا لأنه ينتظر وظيفة أو فرصة عمل، بل لأنه قال:
إن ما يدفعه إلى التفكير في الهروب، لو ٱستطاع، هو البحث عن كرامة إنسان يشعر أنه يفتقدها كلما دخل إدارة من إدارات بلده.
وهنا، بصراحة، تغيرت زاوية نظري إلى المشهد كله.
فربما كنا نخطئ حين نختزل الهجرة في الفقر والبطالة والحاجة.
ربما هناك نوع آخر من الهجرة لا يظهر في الإحصائيات، ولا تستطيع الأرقام أن تقيسه.
✓هجرة الإنسان من الإهانة.
✓هجرة المواطن من طوابير الٱنتظار التي لا تنتهي.
✓من الموظف الذي يتعامل معه وكأنه جاء ليطلب صدقة لا ليقضي حقا من حقوقه.
✓من النظرة المتعالية.
✓من ٱرجع غدا.
✓من ليس من ٱختصاصي.
✓من الأبواب المغلقة.
✓من الإحساس بأن الإدارة التي يفترض أن تكون في خدمته، تحوله أحيانا إلى متهم أو متسول أو عبء ثقيل.
وهنا مربط الفرس، فالمواطن قد يتحمل ضيق العيش، وقد يصبر على قلة الدخل، وقد يتحمل سنوات من الٱنتظار بحثا عن عمل.
لكن ما يصعب على الإنسان ٱحتماله هو أن يشعر، داخل وطنه، بأنه غريب، بلا قيمة.
فالكرامة ليست رفاهية، وليست مطلبا ثانويا يأتي بعد الخبز والسكن والعمل.
الكرامة هي أساس العلاقة بين المواطن والدولة، وحين يدخل المواطن إلى الإدارة، ينبغي أن يشعر أنه يدخل مؤسسة وجدت لخدمته، لا مكانا يختبر فيه صبره، أو تهان فيه كرامته، أو يشعر فيه بأنه أقل شأنا من صاحب النفوذ والمعرفة والعلاقات.
ولذلك، فإن الهروب من الوطن قد تكون له أسباب متعددة.:
*هناك من يهرب من الفقر.
*وهناك من يهرب من البطالة.
*وهناك من يهرب بحثا عن مستقبل أفضل لأبنائه.
*وهناك من يهرب من ٱنسداد الأفق.
لكن هناك أيضا، من قد يهرب من شيء أكثر عمقا:
«من الشعور بأنه لم يعد إنسانا محترما في المكان الذي يفترض أن يكون فيه أكثر ٱحتراما”وطنه”».
وهذه النقطة بالذات تستحق أن تفتح بابا آخر للنقاش حول علاقتنا بالإدارة المغربية.
فإذا كان المواطن يحتاج في كل مرة إلى واسطة حتى تنجز معاملته، أو إلى معرفة موظف حتى يعامل بٱحترام، أو إلى قدر هائل من الصبر حتى يحصل على حق بسيط، فإن الخلل لا يعود مجرد سوء سلوك فردي، بل يصبح أزمة في ثقافة المرفق العمومي.
وبالطبع، لا يجوز تعميم الأمر على جميع الموظفين، ففي الإدارات المغربية رجال ونساء يؤدون واجبهم بضمير، ويعاملون المواطنين بٱحترام ومسؤولية، رغم
صعوبة ظروف العمل، لكن المشكلة موجودة، ومن الخطأ إنكارها.
ولأنها موجودة، فإنها تحتاج إلى معالجة حقيقية.
فالدولة الإجتماعية التي نطمح إليها لا تبدأ فقط من المستشفى والمدرسة والدعم الإجتماعي.
إنها تبدأ أيضا من شباك الإدارة،
من الطريقة التي يستقبل بها الموظف المواطن.
من ٱحترام وقته.
من وضوح المساطر.
من سرعة معالجة ملفه.
من حقه في الحصول على المعلومة.
ومن شعوره، قبل كل شيء، بأنه مواطن كامل الكرامة والحقوق.
وهنا تعود سبتة إلى الواجهة.
لأن السؤال لم يعد فقط:
– لماذا يريد هؤلاء عبور الحدود؟
بل أصبح:
– ما الذي يجعل إنسانا يفكر في مغادرة وطنه، حتى عندما لا يكون جائعا ولا فقيرا؟

هذه ربما هي المسألة الأكثر خطورة.
فإذا كان الفقر يدفع الإنسان إلى البحث عن لقمة العيش، فإن الإهانة تدفعه إلى البحث عن مكان يشعر فيه بأنه إنسان.
والفرق بين الإثنين هائل.
الأول يمكن علاجه بالعمل والتنمية والدخل.
أما الثاني، فيحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات على أساس الإحترام والثقة والكرامة.
ولهذا، فإن مشهد سبتة لا ينبغي أن يخيفنا فقط بسبب عدد الذين حاولوا العبور، بل بسبب نوعية الدوافع التي قد تكون وراء الرغبة في الرحيل.
فالبلد لا يخسر فقط عندما يغادره طبيب أو مهندس أو عامل أو شاب.
إنه يخسر أيضا عندما يصل مواطن في الخامسة والستين من عمره إلى قناعة مفادها أنه، لو كانت صحته تسمح له، لٱختار الرحيل لا لأنه يريد مالا أكثر، بل لأنه يريد معاملة إنسانية أكثر.
وهذه في رأيي، جملة ينبغي أن تجعل كل مسؤول يتوقف طويلا أمامها.
لأن الوطن الذي يبحث أبناؤه فيه عن لقمة العيش يحتاج إلى تنمية.
أما الوطن الذي يبحث أبناؤه فيه عن الكرامة خارج حدوده، فإنه يحتاج إلى مراجعة أعمق بكثير.
وهنا تحديدا يصبح خطاب العرش أكثر من مجرد خطاب.
إنه يضع أمام الدولة والمجتمع تحديا واضحا:
«أن تصبح التنمية إنسانية في جوهرها، وأن يشعر المواطن بأن الدولة ليست جهازا إداريا بعيدا عنه، بل مؤسسات وجدت لخدمته وصون كرامته».
فلا يكفي أن نقول للمواطن:
«ابقَ في وطنك.»
علينا أولا أن نسأله:
– هل تشعر أنك محترم في وطنك؟

وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال أهم بكثير من كل الأرقام والمؤشرات.
لأن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل…
وقد يستطيع أن يصبر على الكثير…
لكنه يصعب عليه أن يعيش طويلا في مكان يشعر فيه أنه ليس إنسانا كامل الكرامة.
وهنا، ربما يكون الهروب من سبتة مجرد رأس جبل الجليد.
أما ما يوجد تحته، فهو سؤال أكبر وأعمق:
– كيف نبني وطنا لا يحتاج فيه المواطن إلى عبور الحدود كي يشعر بقيمة الإنسان داخله؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.