مراكش – خاص –
في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون المطارات واجهة للمغرب ومرافق استراتيجية لا تحتمل الارتجال أو العشوائية ، تبرز بمطار مراكش المنارة معطيات وشكايات متواترة حول ظروف اشتغال عدد من مستخدمي شركة مكلفة بالحراسة ، وهي معطيات تطرح أكثر من علامة استفهام حول ظروف العمل ، وطريقة تدبير الموارد البشرية ، ومدى انعكاس ذلك على جودة الخدمة والاستقرار الأمني داخل هذا المرفق الحيوي .
فبحسب إفادات عدد من المستخدمين ، تصرح الشركة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأجر يصل إلى 3.422 درهماً، في حين لا يتجاوز ما يتقاضاه العامل فعليا حسب تصريحاتهم حوالي 2.600 درهم .
وإذا تأكدت هذه المعطيات ، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف حول الأجر ، وإنما بموضوع يستوجب التدقيق من الجهات المختصة لأن الفارق بين الأجر المصرح به وما يتوصل به العامل فعليا ليس رقما عابرا ، بل سؤالا اجتماعيا وقانونيا واضحا ، أين يذهب هذا الفارق ؟ ومن يراقب ؟
ولا تتوقف شكايات العمال عند حدود الأجور ، إذ يقول عدد منهم إنهم يشتغلون أيام السبت والأحد فضلا عن الأعياد الوطنية والدينية ، دون الاستفادة من التعويضات التي يرون أنها مستحقة عن هذه الأيام ، فيما تبقى الاستفادة من العطلة السنوية التي يقولون إنها في حدود 18 يوما رهينة في كثير من الأحيان بصعوبة الحصول عليها إلا بعد إلحاح ومعاناة .
وفي ظل هذه الظروف ، لم يعد مستغربا حسب إفادات المستخدمين أن يسجل القطاع موجة متزايدة من المغادرات . عامل يلتحق بالشركة ولا يمضي سوى أسبوع ، وآخر يغادر بعد شهر ، وثالث يصمد شهرين ثم يضع حدا لعلاقته المهنية . وعندما يصبح رحيل المستخدمين أسرع من استقرارهم ، فإن الأمر يستحق أكثر من مجرد تسجيل الملاحظة ، لأن الحراسة داخل مطار دولي ليست نشاطا موسميا يمكن تدبيره بمنطق (من ذهب يأتي غيره ) .
والأكثر إثارة للقلق هو ما يصفه بعض العمال بـالعبثية في عملية دخول المستخدمين وتسلمهم للمهام ، حيث يتحدثون عن تأخر بعض العناصر في الالتحاق بمواقع العمل بأكثر من ساعة ، الأمر الذي ينعكس مباشرة على العمال المغادرين الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى الانتظار إلى حين وصول زملائهم لتسلم المهام .
والسؤال هنا ليس فقط: لماذا يتأخر العامل ؟
بل: من المسؤول عن تنظيم عملية تسليم وتسلم المهام ؟ ومن يضمن ألا يتحول تأخر فرد إلى عبء على فرد آخر ؟
وإذا كانت هذه الممارسات تتكرر فعلا ، فإن استمرارها يطرح بدوره سؤالا حول طريقة تدبير المسؤول الأول عن الشركة لهذا الملف ، خصوصا في ظل ما يصفه بعض المستخدمين بغياب الإرادة الحقيقية لحسم المشكلة ووضع حد لهذه الممارسات .
ففي منشأة حساسة كالمطار ، لا يمكن أن تكون عملية تسلم المهام خاضعة للمزاج أو الارتجال أو التأخير ، لأن الانضباط في مثل هذه المرافق ليس ترفا إداريا ، بل جزء من منظومة الأمن والسلامة .
ولا تخفي بعض الشهادات أيضا انتقادات لطريقة تدبير بعض رؤساء الفرق ، حيث يتحدث مستخدمون عن وجود مسؤولين يفتقرون في نظرهم إلى الكفاءة المطلوبة لتدبير فرق الحراسة ، فضلاً عن اتهامات بوجود نزعات انتقامية في التعامل مع بعض العمالزمن خلال أساليب تدبيرية قد تجعل العامل يشعر بأن الخلاف الشخصي يمكن أن يتحول إلى عقوبة مهنية .
وإذا صحت هذه الشهادات ، فهنا أيضا يطرح السؤال نفسه ، هل تخضع عملية تقييم العمال وتوزيع المهام لمعايير مهنية واضحة ، أم يمكن أن تتدخل العلاقات الشخصية والمواقف الفردية في تحديد من يعمل وأين يعمل ؟
وتزداد علامات الاستفهام مع ما يتحدث عنه بعض المستخدمين من تعامل تفضيلي في إسناد بعض المناطق والمواقع داخل المطار ، حيث يقولون إن مناطق معينة يتم إسنادها بشكل متكرر لفئة دون غيرها من العمال ، وهو ما يخلق حسب تعبيرهم شعورا بعدم المساواة وغياب تكافؤ الفرص داخل الفريق الواحد .
والحراسة في نهاية المطاف ليست مجالا ينبغي أن تحكمه المحاباة أو القرب من هذا المسؤول أو ذاك ، وإنما يفترض أن تحكمه الكفاءة والانضباط والتناوب ومعايير واضحة يعرفها الجميع .
أما الأخطر من كل ذلك ، فهو ارتفاع معدل مغادرة العمال الذين سبق لهم الاشتغال داخل المطار . وليس المقصود هنا التشكيك في أي عامل غادر عمله ، وإنما التنبيه إلى أن ارتفاع معدل دوران المستخدمين في مرفق حساس يفرض على الجهات المسؤولة طرح أسئلة جدية حول أسباب هذا النزيف البشري .
فالحارس الذي قضى مدة من الزمن داخل المطار يكون بحكم طبيعة عمله قد تعرف على مواقع ومسارات وإجراءات مرتبطة بمهمته . ولذلك فإن الاستقرار المهني والتكوين والتأطير والمراقبة الدقيقة لعمليات الولوج وسحب البطاقات عند المغادرة كلها أمور لا ينبغي التعامل معها بمنطق التدبير العادي .
ثم هناك جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بالبدلة المهنية والهندام والمظهر العام لبعض عناصر الحراسة ، وهي تفاصيل قد يراها البعض ثانوية لكنها في مطار دولي تستقبل مرافقه آلاف المسافرين يوميا تصبح جزءا من الصورة العامة للمرفق وللمغرب نفسه .
فإذا كان حارس الأمن هو أول من يراه المسافر في بعض المواقع ، فإن مظهره وهندامه وانضباطه ينبغي أن يكونوا في مستوى المكان الذي يعمل فيه .
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس فقط من يحرس مطار مراكش المنارة ؟
بل أيضا من يحرس حقوق هؤلاء الحراس ؟ ومن يراقب الشركات التي تتولى هذه المهمة ؟ ومن يتأكد من احترامها لحقوق المستخدمين ؟ ومن يراقب جودة الخدمة التي تقدمها ؟
لا نكتب هذه السطور لإدانة شركة قبل الاستماع إلى جوابها ، ولا نحاكم أحدا بالشكوك أو بالشهادات المنفردة . بل نضع أمام الجهات المعنية جملة من المعطيات التي يقول عدد من العمال إنها تعكس واقعا يعيشونه يوميا ، ونطالب بفتح الباب أمام الشركة لتقديم توضيحاتها والرد على كل ما ورد .
لكن إذا تأكدت هذه المعطيات ، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد خلاف بين عمال وشركة خاصة .
إنها قضية كرامة مستخدم ، واحترام قانون الشغل ، وجودة خدمة ، وانضباط مهني ، وأمن مرفق استراتيجي .
فالمطار ليس مكانا مناسبا للتجارب الإدارية ، ولا الحراسة مجالا يمكن أن يتحمل الارتجال ، ولا العامل رقما قابلا للاستبدال كلما ضاق ذرعا بظروف عمله .
وفي انتظار توضيحات الشركة ورد الجهات المعنية ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا :
إذا كان حارس المطار نفسه يشتكي من ضعف الأجر وصعوبة الاستفادة من حقوقه وفوضى تسلم المهام وسوء تدبير بعض المسؤولين وشبهة التفضيل في توزيع المواقع ، فمن يحرس الحارس ؟ ومن يحرس معه أمن المطار من أخطاء التدبير ؟
قد يعجبك ايضا