حاجة الله يقضيها الله مبادرة تضامن تلهم المدينة بأكملها

0 547

م س: بيان مراكش

في قلب حي سيدي أيوب كانت الفكرة بسيطة، بحجم زقاق يعرف أهله بعضهم بعضا، وبحجم حلم صغير بأن يكون للحي صوت يجمعه وهم مشترك يؤطره ، من هنا إنطلقت جمعية درب الحمام، كجمعية حي تنبض بروح الجوار، تستمد مشروعيتها من ثقة الساكنة، ومن إيمان أعضائها بأن العمل التطوعي ليس ترفا، بل ضرورة أخلاقية وإجتماعية.

غير أن بعض التجارب لا تقبل أن تبقى محصورة في حدود المكان الأول فحين تتجذر المبادرة في الصدق، ويتحول الفعل الجمعوي إلى ثقافة يومية، يبدأ الأفق في الإتساع ،هكذا إنتقلت جمعية درب الحمام من إطار محلي ضيق إلى فضاء أرحب، لتصبح فاعلا مدنيا يهتم بقضايا مدينة مراكش في أبعادها الإجتماعية والإنسانية، مستثمرة رصيدها الميداني وتجربتها المتراكمة داخل الحي.

في هذا الحي العتيق، حيث تتجاور البساطة مع الكرامة، ويختلط العيش اليومي بنداء الضمير الجماعي، تولد المبادرات التي تعيد للمعنى الإجتماعي وهجه الأول ، هكذا إختارت جمعية درب الحمام أن تجعل من شهر الرحمة محطة للعطاء، عبر مبادرة إفطار الصائم تحت عنوان دال وعميق … “حاجة الله يقضيها الله” وهو عنوان لا يكتفي بوصف فعل تضامني، بل يختزل فلسفة كاملة في التكافل، قوامها أن قضاء حوائج الناس باب لقضاء الحوائج عند الله.

هذه المبادرة ليست مجرد توزيع وجبات عابرة، بل هي فعل رمزي يعيد الإعتبار لفكرة القرب من الأسر الهشة، و من العابرين ، و من العمال البسطاء الذين قد يدركهم وقت الإفطار بعيدا عن موائدهم ،في كل وجبة تقدم، هي رسالة صامتة تقول إن المجتمع ما زال بخير، وإن روح التضامن لم تنطفئ رغم إكراهات الواقع.

اللافت في مبادرة جمعية درب الحمام أنها تنبع من وعي جمعوي متجذر في الحي، ومرتبط بنبض الساكنة، بعيدا عن منطق الإستعراض أو البحث عن الأضواء ، إنها مبادرة تذكر بأن العمل الجمعوي الحقيقي يبدأ من الحاجات الصغيرة، و من التفاصيل التي قد تبدو بسيطة لكنها تصنع فرقا عميقا في حياة الناس ،فكم من دعوة صادقة إرتفعت مع أذان المغرب، وكم من إبتسامة إمتنان كانت أبلغ من كل الخطب والشعارات.

غير أن مثل هذه المبادرات لا يمكن أن تنجح وتستمر دون بيئة حاضنة، وهنا يبرز دور السلطة المحلية في شخص باشا المنطقة وقائدة المنطقة ، اللذين واكبا هذه المبادرة بروح منفتحة ومسؤولة في التنمية الاجتماعية عبر منحهم التراخيص ، وهذا سند لكل عمل يروم خدمة للوطن والمواطن .

لقد أبانت السلطة المحلية، من خلال تسهيل الإجراءات وضمان السير المنظم للمبادرة، عن مقاربة تقوم على التعاون بدل الوصاية، وعلى المواكبة بدل العرقلة ،وهو ما يعكس التحول الذي تعرفه علاقة الإدارة بالمجتمع المدني، في إنسجام مع التوجيهات العامة التي ما فتئ يؤكد عليها أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره ،بخصوص تعزيز أدوار الفاعلين المحليين وترسيخ الحكامة الترابية.

إن تثمين دور باشا المنطقة وقائدة المنطقة في هذه المحطة ليس مجاملة ، بل إعتراف مستحق بأن التنمية الإجتماعية مسؤولية مشتركة، وأن نجاح أي مبادرة رهين بتكامل الأدوار بين الجمعيات والسلطات ،فحين تتوحد الإرادة يصبح الفعل الإجتماعي أكثر أثرا وأقرب إلى الناس.

فمبادرة “حاجة الله يقضيها الله” تستحق أن تروى ،فهي دعوة مفتوحة لباقي الجمعيات كي تستلهم روحها، وتؤمن بأن العمل التضامني ليس موسميا فحسب، بل ثقافة دائمة ، إن مجتمعا تتكاثر فيه مثل هذه المبادرات هو مجتمع يعيد بناء ذاته من الداخل، ويصنع توازنه بأيدي أبنائه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.