✍🏼بقلم: الكاتـب الصحفـي
[*ذ.هشام الدكاني*]
في المغرب، قد تكون الورقة البيضاء مجرد ورقة، لكن حين يتعلق الأمر بالبحر، وبالرخص، وبالثروة السمكية، وبأرقام تتحدث عن مليارات السنتيمات، تصبح الورقة البيضاء نفسها سؤالا سياسيا وإداريا وأخلاقيا.
خلال الأيام الأخيرة، عاد ملف الصيد البحري إلى الواجهة بقوة، بعدما خرجت تصريحات تتحدث عن «ورقـة بيــضاء» يمكن أن تتحول، بمجرد توقيع مسؤول عليها، إلى رخصة تدر مليارات السنتيمات!
قد يكون الرقم صحيحا، وقد يكون مبالغا فيه، وقد يكون مرتبطا بحسابات ٱقتصادية لا نعرف تفاصيلها… لكن الصحافة لا يفترض أن تكتفي بالرقم.
الصحافة تسأل:
– أين الوثيقة؟
لأن الفرق كبير بين أن تقول إن ورقة بيضاء «تساوي مليارات»، وبين أن تقدم للرأي العام رخصة محددة، ورقمها، وتاريخها، والمستفيد منها، ونوع الصيد الذي تسمح به، والكمية المسموح بٱستغلالها، ومدتها، والمداخيل التي يمكن أن تحققها.
هنا فقط يتحول الكلام من رواية مثيرة إلى معطى قابل للفحص.
والقضية لا تتوقف عند «الورقـة البيضـاء».
ففي بداية شتنبر، وجه *”العربي المحرشي”*، عضو المكتب السياسي لـ”حزب الأصالة والمعاصرة”، ٱتهامات إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري”*زكية الدريوش*”، متحدثا عن رخص ٱستثنائية لـ”*صيد الأخطبوط*” في أعالي البحار لفائدة صيادين قال إنهم مقربون من “حزب التجمع الوطني للأحرار”، ودعا إلى التحقيق في الموضوع.
في المقابل، ردت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري ونفت منح ٱمتيازات ٱنتخابية، ما يجعل القضية في وضع واضح: (ٱتهامات سياسية من جهة، ونفي رسمي من جهة أخرى).
وبين الٱتهام والنفي، يبقى المواطن ينتظر الشيء الذي لا يحتاج إلى خطاب سياسي:”*الوثيقة*”.
فالثروة البحرية ليست ملكا لحزب، ولا للحكومة، ولا للمعارضة، ولا للأفراد… إنها ثروة وطنية.
وموسم صيد الأخطبوط لسنة 2026 نفسه خضع لمقرر رسمي حدد الحصة الإجمالية في [10,494 طنا]، منها أكثر من [6,611 طنا] مخصصة لأسطول الصيد في أعالي البحار، مع حصص أخرى للصيد الساحلي والتقليدي.
وهذا يعني أن الحديث عن «رخصة» أو «ٱستثناء» ليس حديثا عن ورقة إدارية عادية.
إنه حديث عن ولوج إلى مورد طبيعي محدود، وعن ثروة يمكن أن تتحول إلى أرباح كبيرة.
ولهذا فإن السؤال المشروع اليوم ليس:
– هل نصدق هذا الطرف أم ذاك؟
السؤال هو:
– لماذا لا تفتح المعطيات؟
– من ٱستفاد؟
– وبأي شروط؟
– ومن يقرر؟
– وما هي المعايير؟
– وكم تبلغ القيمة الإقتصادية للرخص أو الحصص موضوع الجدل؟
– وهل الٱستثناء، إن وجد، له سند قانوني واضح ومنشور؟
– وهل تخضع جميع الرخص والحصص لنفس المعايير، أم أن هناك أبوابا مختلفة حسب الأشخاص والجهات؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية:
– هل يمكن أن تتحول الثروة البحرية إلى ورقة في اللعبة الإنتخابية؟
هذا السؤال لا يجوز الإجابة عنه بالإتهام وحده، كما لا يكفي نفيه ببلاغ.
إذا كانت الإتهامات بلا أساس، فإن نشر المعطيات الرسمية الكاملة كفيل بإسكاتها.
وإذا كانت هناك مخالفات، فإن التحقيق هو الطريق الطبيعي لتحديد المسؤوليات.
أما أن يبقى المواطن أمام «ورقـة بيضـاء» وأرقام بالمليارات، ثم يطلب منه أن يختار بين روايتين متناقضتين، فذلك لا يصنع ثقة.
لقد حان الوقت لأن يصبح ملف رخص الصيد البحري أكثر شفافية، ليس لأن شخصا ٱتهم شخصًدا آخر، ولا لأن الإنتخابات تقترب، وإنما لأن البحر الذي تسبح فيه هذه الملايير ليس بحرا خاصا.. إنه بحر المغاربة.
وإذا كانت «ورقـة بيضـاء» فعلا تستطيع أن تفتح بابا على مليارات السنتيمات، فالمغاربة لا يريدون رؤية الورقة فقط، بل يريدون معرفة من يملك القلم.
– ومن يوقع؟
– ولمن؟
– وبأي ثمن؟
– وتحت أي قانون؟
أما إذا كانت الحكاية كلها مجرد مبالغة سياسية وإعلامية، فليظهر الحساب الحقيقي، ولتكشف الوثائق، ولتنتهِ القصة من أصلها.
فالشفافية لا تخيف صاحب الحق.
الذي يخيف هو أن تبقى الورقـة بيضـاء… بينما تكون الملايير قد كتبت في مكان آخر.