الإنتخابات… حين يصبح المواطن هو السؤال!.

0 440

✍🏼بقلم: الكاتب الصحفي
[ذ.هشام الدكاني]

ليست كل الإنتخابات مجرد سباق نحو صناديق الإقتراع، وليست كل الحملات الإنتخابية مجرد صور وٱبتسامات ووعود معلقة على الجدران.
أحيانا تأتي الإنتخابات لتضع السياسة كلها أمام المرآة، وتقول للأحزاب:
«هذه حصيلتكم، وهذا المواطن الذي تخاطبونه اليوم…»
– فماذا قدمتم له بالأمس؟

في 23 شتنبر، سيتوجه عدد من المغاربة إلى صناديق الإقتراع لٱختيار 395 عضوا لمجلس النواب، وسط تنافس كبير بين اللوائح والمرشحين.
وقد بلغ عدد لوائح الترشيح 1850 لائحة، تضم 7288 ترشيحا، أي أكثر من 18 ترشيحا لكل مقعد في المعدل الوطني.
لكن خلف هذه الأرقام الكبيرة يوجد سؤال أصغر بكثير، وأكثر خطورة:
– هل ما زال المواطن يصدق السياسة؟

ذلك هو الإمتحان الحقيقي.
فالإنتخابات لا تقاس فقط بعدد الأحزاب والمرشحين، ولا بعدد المهرجانات والخطب واللافتات، وإنما بقدرة السياسي على إقناع المواطن بأن صوته لن ينتهي بمجرد إغلاق الصندوق.
اليوم، تتصدر قضايا القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات العمومية جانبا مهما من الخطاب الإنتخابي، فيما تحاول الأحزاب ٱستقطاب الشباب، وهي الفئة التي أصبحت مشاركتها السياسية واحدة من أكبر رهانات هذه الإستحقاقات.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة…
الشباب الذي يطلب منه اليوم أن يذهب إلى صناديق الإقتراع، هو نفسه الذي يسأل عن العمل، وعن المدرسة، وعن المستشفى، وعن تكافؤ الفرص، وعن معنى أن تكون الإدارة في خدمة المواطن لا أن يتحول المواطن إلى طالب للرضا أمام أبوابها.
ولذلك فإن مخاطبة الشباب بشعارات ٱنتخابية جاهزة لن تكون كافية.
الشاب المغربي لا يريد أن يسمع فقط كم منصب شغل سيخلق، بل يريد أن يعرف كيف سيخلق، ومتى، ومن سيستفيد منه.
ولا يريد فقط وعودا بإصلاح التعليم، بل يريد أن يعرف لماذا لم تحل مشاكل التعليم التي ظلت حاضرة في برامج سابقة.
وهنا تنتقل الإنتخابات من سوق للوعود إلى ٱمتحان للحصيلة.

الحكومة والأغلبية ستدخلان هذا الٱستحقاق وهما تحملان معهما سنوات من التدبير، والمعارضة ستدخل وهي مطالبة بإقناع الناخب بأن لديها بديلا قابلا للتنفيذ، أما المواطن فلا ينبغي أن يكون مطالبا بتصديق الجميع، بل من حقه أن يسأل الجميع.. ومن حقه أن يسأل المنتخب السابق:
– ماذا فعلت؟
ومن حقه أن يسأل المرشح الجديد:
– ماذا ستفعل؟
ومن حقه، قبل كل ذلك، أن يسأل الحزب:
– ما الذي يميز برنامجك عن البرنامج الذي سمعناه في الإنتخابات السابقة؟

هذه الأسئلة ليست عداء للسياسة، بل هي جوهر السياسة.
فالبرلمان ليس منصة للصور، والحكومة ليست مكتبا لتوزيع الوعود، والإنتخابات ليست موسما ينتهي بمجرد ظهور النتائج.
المسؤولية السياسية تبدأ في الحقيقة بعد الإنتخابات.
عندما تنتهي الخطب، تختفي مكبرات الصوت، ترفع اللافتات، ويعود المواطن إلى منزله، تبدأ المرحلة الأصعب: «مرحلة الحساب»، وهنا أيضا ينبغي ألا يتحول النقاش إلى مجرد سؤال:
– من تصدر؟
– ومن جاء ثانيا؟
– ومن دخل الحكومة؟
– ومن خرج إلى المعارضة؟
السؤال الأهم هو:
– ماذا سيفعل الفائز بثقة الناخب؟
لأن البرلمان الذي سيولد من ٱنتخابات 23 شتنبر لن يكون أمامه ترف الإنتظار.
المغرب مقبل على ٱستحقاقات ٱقتصادية وٱجتماعية كبرى، وعلى مرحلة مرتبطة أيضا برهانات 2030 وما يرتبط بها من ٱستثمارات وبنيات تحتية وتحولات ٱقتصادية.
وفي المقابل، هناك مواطن يريد أن يشعر بأن التنمية الوطنية تصل أيضا إلى حياته اليومية، لا أن تبقى مجرد أرقام كبيرة يسمعها في نشرات الأخبار.
وهنا يجب أن نتوقف عند مسألة الثقة.
الثقة لا تبنى بالحملات الإنتخابية، وإنما بالممارسة.
ولا تستعاد بالشعارات، وإنما بالنتائج.
ولا تفرض بالقانون، وإنما تكتسب بالسلوك.
ولذلك فإن الإنتخابات الحالية قد تكون لحظة فاصلة ليس فقط للأحزاب، وإنما للعلاقة بين المواطن والمؤسسة السياسية.
فإذا نجح السياسي في إقناع المواطن بأن صوته له قيمة، فقد أعاد شيئا من الثقة إلى العملية الديمقراطية.
وإذا فشل في ذلك، فإن أخطر ما قد يحدث ليس خسارة حزب أو فوز حزب آخر، وإنما استمرار المسافة بين المواطن والسياسة.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يتنافس 7288 مرشحا على 395 مقعدا.
المشكلة الحقيقية هي أن ينجح السياسي في الوصول إلى المقعد، ثم يفشل في الوصول إلى المواطن.
وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذه الإنتخابات إلى آخر يوم، وبعدها أيضا:
– هل ننتخب برلمانا جديدا فقط… أم نريد سياسة جديدة؟

لأن المواطن لا يحتاج إلى سياسي يتذكره في موسم الإنتخابات، بل إلى منتخب يتذكره طوال الولاية.
والفرق بين الاثنين… هو الفرق بين الإنتخاب والمحاسبة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.