_ضمن سلسلة_ : « *مدن مغربية على الهامش… بين مجد الأمس وأسئلة اليوم* » *العرائش.. حين يتحول التاريخ إلى ذاكرة منسية!*

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ليست كل المدن التي تمتلك تاريخاً عظيما قادرة على تحويل ذلك التاريخ إلى مستقبل.
بعض المدن تحفظ تاريخها في الكتب والمتاحف، وبعضها تحوله إلى صناعة سياحية وثقافية وٱقتصادية تدر الثروة وتخلق فرص العمل.
أما “العرائـش”، فتبدو وكأنها تقف في المنطقة الأكثر إيلاما بين الإثنين:
(تاريخ عظيم، وإمكانات هائلة، وٱستثمار لا يزال دون مستوى ما تستحقه).
حين تسير في فضاءات “العرائـش” القديمة، لا تشعر أنك أمام مدينة عادية…
*كل حجر تقريبا يحمل أثرا من مرحلة.
*كل باب يحكي شيئا.
*كل زاوية تذكر بأن هذه المدينة لم تكن يوما هامشية في تاريخ المغرب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
– هل يكفي أن يكون للمدينة تاريخ، إذا كان حاضرها لا يعرف كيف يحتفي به؟

قريبا من “العرائـش” تقف “ليكسوس”، واحدة من أهم المواقع الأثرية بالمغرب، شاهدة على تعاقب حضارات عديدة على المنطقة.
وقد كشفت الأبحاث الأثرية عن منشآت ومرافق صناعية ودينية وسكنية تؤكد المكانة التي ٱحتلتها المدينة القديمة في تاريخ المنطقة.
كما أن موقعها الجغرافي على مصب “اللوكوس” وقربها من “المحيط الأطلسي” منحها أهمية ٱقتصادية وتجارية ٱستثنائية، وهنا تبدأ المفارقة.
نحن أمام موقع كان جزءا من حركة الحضارات والتجارة في البحر المتوسط والأطلسي، بينما لا يزال كثير من المغاربة أنفسهم لا يعرفون عنه إلا ٱسمه!
– فكيف نطلب من العالم أن يكتشف كنوزنا ونحن لم ننجح بعد في جعلها معروفة داخل بلادنا؟

“ليكسوس” ليست حجارة، إنها ذاكرة المغرب.
إنها جزء من قصة هذا البلد قبل قرون طويلة من ولادة كثير من المدن التي نحتفي بها اليوم، ولهذا فإن حماية الموقع وتثمينه لا ينبغي أن يكونا مجرد شأن ثقافي ضيق، بل جزءا من ٱستراتيجية وطنية للسياحة والثقافة والتنمية المحلية.
ثم هناك المدينة القديمة: (القصبة، الأسوار، الأبواب، الأزقة، المباني ذات الطابع التاريخي…)، كل ذلك يمثل رأسمالا ثقافيا يمكن أن يجعل من “العرائـش” مدينة مختلفة عن غيرها.
لكن، التراث إذا لم تتم حمايته وتأهيله وإدماجه في الحياة الإقتصادية والإجتماعية، يتحول مع مرور الزمن إلى مجرد أطلال، وهنا تكمن الخطورة.
فالنسيان لا يبدأ بهدم المعالم… بل يبدأ:
– بعدم الإهتمام بها.
– ثم يأتي الإهمال.
– ثم التآكل.
– ثم التشويه.
– ثم يكتشف الجميع، بعد سنوات، أن ما ضاع لا يمكن ٱستعادته.
وهذا ما يجب ألا يحدث في “العرائـش”.
فالمدينة القديمة لا ينبغي أن تكون مجرد مكان يعيش فيه السكان، وإنما:
✓ يمكن أن تتحول إلى قلب نابض للسياحة الثقافية.
✓ يمكن تأهيل الأزقة دون قتل روحها.
✓ يمكن ترميم المباني التاريخية وفق معايير تحافظ على أصالتها.
✓ يمكن خلق مسارات سياحية تربط القصبة بالمدينة القديمة والميناء و”اللوكوس” و”ليكسوس”.
✓ يمكن تشجيع الصناعات التقليدية والحرف المحلية.
✓ يمكن تحويل بعض الفضاءات التاريخية إلى متاحف صغيرة ومراكز ثقافية.
✓ يمكن أن يصبح تاريخ “العرائـش” نفسه منتجا سياحيا.
لكن ذلك يتطلب شيئا أساسيا:
• إرادة ترى في التراث ٱستثمارا، لا عبئا.
• إرادة تفهم أن السائح لا يبحث دائما عن فندق فاخر، بل أحيانا يبحث عن قصة.
و”العرائـش” لديها آلاف القصص…
*قصة “ليكسوس”.
*قصة الميناء.
*قصة المدينة القديمة.
*قصة الصراعات التي دارت حولها.
*قصة ٱسترجاعها من الإحتلال الإسباني.
*قصة البحر.
*قصة “اللوكوس”.
*وقصص أجيال من المغاربة الذين عاشوا هنا وتركوا آثارهم في ذاكرة المدينة.

كل ذلك يمكن أن يتحول إلى تجربة سياحية وثقافية متكاملة، لكن المؤسف أن كثيرا من هذه العناصر ما زال منفصلا عن الآخر.
وكأن المدينة تملك قطعا كثيرة من لوحة جميلة، لكنها لم تجد بعد من يجمعها في صورة واحدة.
وهنا يجب أن نطرح سؤالا أكثر جرأة:
– أين هو المتحف الكبير الذي يحكي تاريخ “العرائـش”؟
– أين هو المركز الثقافي الذي يقدم للزائر قصة المدينة منذ “ليكسوس” إلى اليوم؟
– أين هي المسارات السياحية الواضحة التي تقود الزائر من الميناء إلى المدينة القديمة ثم إلى “ليكسوس”؟
– أين هي اللوحات التعريفية والوسائط الرقمية التي تجعل التاريخ مفهوما وممتعا للزائر؟
– أين هي المنتجات الثقافية التي تحمل إسم “العرائـش” وتقدم تاريخها للعالم؟
– وأين هو الٱستثمار الحقيقي في شباب المدينة ليصبحوا هم سفراء تاريخها؟

هذه الأسئلة ليست ترفا، لأن المدن التي تحافظ على ذاكرتها تحافظ على هويتها.
والمدن التي تستثمر في هويتها تستطيع أن تحولها إلى قوة ٱقتصادية وثقافية.
أما أن نترك التاريخ في الكتب، والمآثر تواجه الزمن، والمواقع الأثرية بعيدة عن الٱهتمام الكافي، ثم نطالب المدينة بأن تنافس سياحيا وٱقتصاديا، فهذا يشبه مطالبة إنسان بالجري بينما نكبله من قدميه.
إن “العرائـش” لا تحتاج إلى أن تختار بين التاريخ والتنمية، بل يمكن أن تجمع بينهما.
بل إن تاريخها هو أحد أهم مفاتيح تنميتها.
وهذا هو الدرس الذي فهمته مدن كثيرة في العالم:
-لم تخجل من ماضيها.
-لم تعتبر مبانيها القديمة عائقا.
-لم تهدم ذاكرتها لتبني مدينة بلا روح.
بل فعلت العكس:
(حافظت على القديم، وأدخلته في منظومة الإقتصاد الحديث)، وهذا بالضبط ما نحتاجه في “العرائـش”.
✓ نريد مدينة حديثة، نعم.
لكن لا نريد مدينة بلا ذاكرة.
✓ نريد ٱستثمارا، نعم.
لكن لا نريد ٱستثمارا يمحو هوية المكان.
✓ نريد سياحة، نعم.
لكن لا نريد سياحة تقتل خصوصية المدينة.
✓ نريد أن يأتي الزائر إلى “العرائـش” فيجد مدينة لها شخصية، ولها قصة، ولها طابع، ولها روح.

فالمدن العظيمة ليست تلك التي تشبه بعضها، بل تلك التي لا يمكن أن تخطئ هويتها.
و”العرائـش” تملك هذه الهوية.. لكنها تحتاج إلى من يحميها ويقدمها للعالم.
لذلك، فإن إنقاذ تراث “العرائـش” ليس مسؤولية وزارة الثقافة وحدها، ولا الجماعة وحدها، ولا وزارة السياحة وحدها، إنه مسؤولية مشتركة:
– مسؤولية الدولة.
– والمنتخبين.
– والمؤسسات الثقافية.
– والفاعلين الإقتصاديين.
– والمجتمع المدني.
– والجامعة والباحثين.
– وأبناء المدينة أنفسهم.
لأن المدينة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءا من شخصيتها.
و”العرائـش” لا تستحق أن تكون مجرد فصل في كتاب تاريخ.
إنها تستحق أن يكون تاريخها بداية فصل جديد من التنمية.
لقد آن الأوان لكي نخرج بــ”ليكسوس” من هامش الزيارة العابرة إلى قلب الخريطة السياحية.
وآن الأوان لكي تستعيد المدينة القديمة قيمتها.
وآن الأوان لكي يصبح “الميناء” و”القصبة” و”اللوكوس” و”ليكسوس” و”البحر” عناصر في مشروع واحد.
مشروع يقول للعالم:
«هنا مدينة مغربية عمرها آلاف السنين… لكنها لا تعيش في الماضي، بل تستعد للمستقبل».

وفي الحلقة الرابعة والأخيرة من هذا الملف، لن نكتفي بالتشخيص… بل سنضع السؤال الأصعب أمام المسؤولين:
– العرائش تملك كل هذه الثروات… فمن يملك الشجاعة ليمنحها فرصة النهوض؟

Comments (0)
Add Comment