مراكش لا تنتصر للتشهير ولا للجرائم الإلكترونية

م.س : بيان مراكش

في زمن تتسارع فيه المعلومة، وتختلط فيه الحقيقة بالإشاعة، ويستسهل فيه القذف المعنوي تحت مسميات متعددة، يبرز التشهير كأحد أخطر مظاهر الإنحراف في الواقع والمواقع ، فهو لا يستهدف الوقائع بقدر ما يستهدف الأشخاص، ولا يناقش الأفكار بقدر ما يطعن في السمعة ، متخذا من الحياة الخاصة مادة للتشهير ، ومن التهويل والتلفيق وسيلة للإقصاء ، وما يجعل هذا السلوك أكثر خطورة، ليس فقط ما يلحقه من أذى بالأفراد و أسرهم ، بل ما يخلفه من تآكل بطيء للقيم، وضرب للثقة، وتشويه لمعنى الإختلاف في مجتمع يفترض أنه يسير، أو يدعي السير، في إتجاه ترسيخ الديمقراطية وإحترام الكرامة الإنسانية.

ليس التشهير في جوهره، مجرد تبادل كلام أو تصفية حسابات عابرة ، بل هو فعل عدواني مركب، يقوم على إلحاق الأذى الرمزي و المادي بالأشخاص والهيئات ، عبر إنتهاك الخصوصيات، والتجسس على الحياة الشخصية ، وتضخيم الجزئيات، وإختلاق الوقائع، ثم تسويق كل ذلك في الفضاء العام، بقصد النيل والتشويه والقتل المعنوي ، إنه سلوك لا يعبر عن قوة أو شجاعة ، بقدر ما يكشف عن هشاشة أخلاقية وعجز عن المواجهة النزيهة ، وعن إنحدار قيمي يتناقض جذريا مع ما يرفع من شعارات الديمقراطية و حقوق الإنسان .

فالتشهير بهذا المعنى ، لا يعيش في الضوء ، بل يتغذى على القذارة في الظل ، ويزدهر في السراديب الخلفية ، حيث تدار المعارك بالوكالة مع أعداء الوطن ، وتحرك الحملات من خلف ستار بمقابل .. وغالبا ما يكون المستهدفون هم أولئك الذين يزعجون فكريا و أخلاقيااااااااا ، لأن لهم أخلاق راقية و رأي سياسي مستقل ، لأن لهم حضور إجتماعي و مهني مؤثر و لأنهم يراكمون ثقة الناس ، بما يربك حسابات خصومهم ويهدد مصالح راسخة مع إقتراب الإنتخابات .

وحين يتم إستهداف رجل خلوق بمدينة مراكش من طرف شخص خارج عن القانون بالديار الكندية ، فإن الأمر لا يتعلق بشخصه بقدر ما يتعلق بالمنهج الذي يراد تطبيعه … ، إن الإنتصار هنا للسيد عبد الرحمان الوفا لا يكون إصطفافا أعمى ولا دفاعا باطلا ، بل هو إنتصار للحق ، وللقيم التي يفترض أن تحكم الفعل السياسي والمؤسساتي ، وفي مقدمتها النزاهة، وإحترام الكرامة الإنسانية، وحق الإختلاف ، و مراكش بتاريخها الرمزي وعمقها الحضاري ، لا تنتصر للتشهير ولا تحتفي بالضجيج ، بل تنحاز في وعيها العميق ، إلى الرزانة والإتزان، وإلى حماية سمعة الأفراد من العبث ، أيا كانت مواقعهم أو إنتماءاتهم ، فاستهداف الأشخاص عبر حياتهم الخاصة ، أو عبر روايات ملفقة ومضخمة، لا يخدم المدينة ولا الديمقراطية، بل يسيء إليهما معا .
كما أن التشهير لا يقوم فقط على صانعيه الخفيين ، بل يحتاج أيضا إلى بيئة تستقبله وتعيد إنتاجه ، وهنا تتقاطع مسؤولية بعض المنابر الإعلامية ، والهيئات الحزبية والجمعوية، وحتى بعض الأصوات الثقافية، التي تنخرط أحيانا في تغذية الإشاعة بدل تفكيكها ، وفي تضخيم الأكاذيب بدل مساءلتها ، وهو ما يجعل من مقاومة التشهير معركة وعي و أخلاق ، قبل أن تكون معركة قانون .

و في النهاية يكون التشهير أقصر الطرق لإسكات الأصوات المزعجة، لكنه يظل أكثرها إنحطاطاااا وإستحماراااا و غباءااا وأشدها إفلاساااا أخلاقياااا ، ولا يكون إزدهار حروب التشهير عبثيا أو معزولا إذ غالبا ما تبلغ ذروتها كلما إقتربت الإستحقاقات الإنتخابية ، و حين يعجز البعض عن مواجهة الخصوم بالبرامج والحجج ، يلجأ إلى القتل المعنوي وتشويه السمعة ، وتسميم الفضاء الرقمي و العمومي ، كبديل بائس عن التنافس الشريف ، عندها لا يستهدف الأشخاص فقط ، بل ُغتال المعنى نفسه” معنى السياسة .. ومعنى المسؤولية .. ومعنى الإختيار الحر .

إن الإنتصار للخلوقين حين يستهدفون ظلما ليس إصطفافا ظرفيا ، ولا دفاعا عن أسماء أو مواقع من أجل مصلحة ، بل هو موقف أخلاقي صارم ، ودفاع عن المجتمع في حقه في سياسة نظيفة ، ونقاش عمومي نزيه ، وديمقراطية لا تقوم على الهمس والوشاية ، بل على الوضوح والمساءلة ، تلك ليست معركة أشخاص ، بل معركة قيم ، وفيها يكون الإنحياز واجبا إما مع الكرامة أو ضدها ، إما مع الحق أو مع الباطل .. وما دون ذلك، تواطؤ مقنع وصمت لا يقل خطورة عن التشهير نفسه .

Comments (0)
Add Comment