*پيزا يفضح… والوزارة تبرر!* .

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في قضية تراجع نتائج التلاميذ المغاربة في ٱختبار PISA 2025، يبدو أن وزارة التربية الوطنية عثرت سريعا على أول خيط للدفاع: «المتهم هو المنظومة السابقة!»
دفع يبعث على الإبتسام، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابا واسعا للأسئلة.
فالوزارة تقول إن التلاميذ الذين خضعوا للإختبار لم يستفيدوا من (مؤسسات الريادة)، وإنهم تابعوا دراستهم في إطار المنظومة التعليمية السابقة، ولذلك لا يمكن ٱعتماد نتائجهم للحكم على الإصلاح الجديد.
حسنا… نتفق.
لكن من الناحية المنطقية والإدارية، يظل السؤال قائما:
– من كان مسؤولا عن تلك المنظومة السابقة؟
– هل كانت تابعة لوزارة أخرى؟
– هل كان يديرها قطاع أجنبي؟
– أم أن الوزارة نفسها كانت الجهة الوصية على البرامج والمناهج والتكوين والتقويم وتتبع النتائج؟
هنا تبدأ المفارقة.

فالوزارة لا يمكنها أن تطلب من الرأي العام محاسبة «مؤسسات الريادة» على نتائج لم تستفد منها، وهذا منصف منهجيا، لكنها في المقابل لا تستطيع أن تجعل عبارة «المنظومة السابقة» ممحاة سحرية تمحو مسؤولية الدولة عن واقع تعليمي ٱمتد لسنوات.
والأكثر إثارة أن الوزارة نفسها أقرت بأن مستوى التحكم في التعلمات الأساس لدى التلاميذ المغاربة لا يزال دون المستوى المنشود، وأن الصعوبات التي تظهر في سن الخامسة عشرة ليست وليدة المرحلة الإعدادية وحدها، بل هي نتيجة تراكم تعثرات تبدأ منذ السنوات الأولى من التعليم الإبتدائي.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا:
– إذا كانت الأزمة تبدأ منذ السنوات الأولى، فمن كان مسؤولا عن تلك السنوات؟
لا يمكن أن نضع التلميذ أمام ٱمتحان دولي، ثم نكتشف بعد ظهور النتيجة أن ملفه الدراسي يعود إلى «مرحلة سابقة» ونطلب منه أن يتحمل وحده تبعاتها.
التلميذ لا يختار المنهاج، ولا يضع المقررات، ولا يحدد ساعات الدراسة، ولا يقرر طريقة التدريس، ولا يختار المدرسة، ولا يرسم السياسة التعليمية.
إنه ببساطة نتاج منظومة مر عبرها لسنوات.
أما «PISA»، فلا يعرف هذه التفاصيل الإدارية كلها… لا يعرف من كان وزيرا، ولا من كان مديرا، ولا متى بدأت «مؤسسات الريادة»، ولا من ينتمي إلى المنظومة السابقة ومن ينتمي إلى الجديدة.
إنه يطرح سؤالا أكثر قسوة وبساطة:
– ماذا يستطيع التلميذ أن يفعل بما تعلمه؟
وهنا لا تنفع البلاغات كثيرا.
فالإختبار لا يقيس عدد المشاريع التي أعلن عنها، ولا عدد الندوات التي نظمت، ولا عدد الشعارات التي رفعت، وإنما يقيس الكفايات الفعلية في القراءة والرياضيات وغيرها.
والأرقام، كما يقال، لا تجامل أحدا.
إذا كان التلميذ المغربي في سن الخامسة عشرة لا يستطيع بلوغ المستوى الثاني، الذي تعتبره منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية الحد الأدنى من الكفاءة الضرورية لتوظيف المعارف والمهارات في مواقف الحياة اليومية، فإن السؤال الطبيعي ليس فقط:
– لماذا تراجع؟
بل أيضا:
– كيف وصل إلى هنا؟

من حق الوزارة أن تقول إن نتائج 2025 لا تسمح بتقييم أثر «مؤسسات الريادة»، لأن المشاركين لم يستفيدوا منها.
لكن، ليس من حق أي جهة أن تحول هذه الحقيقة المنهجية إلى شهادة براءة مسبقة من أزمة التعليم برمتها.
فعدم مسؤولية «الريادة» عن نتائج لم تمر عبرها، لا يعني تلقائيا عدم وجود مسؤولية عن منظومة تعليمية أنتجت هذه النتائج.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: المسؤولية القانونية المباشرة، التي لا تثبت بمجرد نتيجة ٱختبار دولي وتحتاج إلى تحديد الإختصاص والواجب والإخلال والعلاقة السببية، وبين المساءلة السياسية والإدارية عن سياسة عمومية ظلت الدولة تديرها وتمولها وتعلن إصلاحاتها وتقدم وعودها للمجتمع.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال مشروع تماما، بل هو واجب.
فالمال العام الذي ينفق على التعليم ليس رقما في دفتر الحسابات فقط، بل هو ٱستثمار في مستقبل ملايين الأطفال.
والبرامج الإصلاحية ليست شعارات للإستهلاك الإعلامي، وإنما سياسات عمومية يجب أن تكون لها أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس ونتائج يمكن تقييمها.
أما أن نغير إسم المشروع، ثم ننتظر النتائج، فإذا جاءت جيدة قلنا:
«هذه ثمرة الإصلاح».
وإذا جاءت سيئة قلنا:
«هذه تركة الماضي!».
فهذه ليست طريقة جادة لبناء سياسة تعليمية قابلة للمحاسبة.
بهذه الطريقة تتحول المسؤولية إلى لعبة كرة قدم (كلما ٱقتربت الكرة من المرمى، مررناها إلى الخلف!).
والمثير للسخرية أن المنظومة السابقة، أصبحت في الخطاب التبريري شبيهة بموظف شبح، تظهر كلما ظهرت مشكلة، وتختفي كلما ظهرت نتيجة إيجابية!
لكن الحقيقة أكثر بساطة.
إذا كانت «مؤسسات الريادة» مشروعا جديدا، فلتثبت نفسها بالنتائج.
لا نريد الحكم عليها مسبقا، ولا نريد تحميلها ما لم تفعله.
لكننا في المقابل لا نريد أيضا أن تتحول إلى منطقة محرمة على النقد والمساءلة.
فالريادة لا تقاس بالإسم، ولا باللافتة المعلقة فوق باب المؤسسة، ولا بعدد الصور الرسمية، ولا بعدد البلاغات التي تتحدث عن النجاح.
الريادة الحقيقية هي أن يغادر التلميذ المدرسة وهو يقرأ ويفهم ويحلل ويحسب ويستطيع أن يستخدم ما تعلمه في حياته اليومية.
وما عدا ذلك، يبقى مجرد عنوان جميل يحتاج إلى ٱمتحان.

لقد سئم المواطن المغربي من سماع أسماء المشاريع والإستراتيجيات والإصلاحات المتعاقبة… ما يريده في النهاية ليس قاموسا جديدا للمصطلحات التربوية، وإنما مدرسة أفضل، وأستاذا محترما ومدعوما، وتلميذا يمتلك الحد الأدنى من الكفايات التي تمكنه من مواجهة الحياة.
ولذلك، فإن تحويل النقاش من أزمة النتائج إلى الدفاع عن إسم مشروع معين لن يحل المشكلة، بل قد يزيدها تعقيدا.
لأن التعليم لا يحتاج إلى محام بارع في تبرير النتيجة، بقدر ما يحتاج إلى مسؤول قادر على تفسيرها، الإعتراف بمواطن الخلل، وتصحيحها.
وليس عيبا أن تفشل سياسة عمومية في بعض جوانبها.. العيب أن يصبح الإعتراف بالفشل أصعب من الفشل نفسه.
وإذا كانت الوزارة تقول إن نتائج PISA 2025 تعكس مستوى التعلمات التي راكمها هؤلاء التلاميذ قبل الإصلاح الحالي، فليكن.
لكن، عليها أن تتعامل معها بٱعتبارها إنذارا تربويا حقيقيا، لا بٱعتبارها ملفا يمكن إغلاقه بعبارة «المنظومة السابقة».
لأن «المنظومة السابقة» ليست كائنا مجهولا هبط من السماء.
بل كانت جزءا من تاريخ التعليم المغربي، وتحت مسؤولية مؤسسات الدولة، ونتائجها اليوم تقدم لنا صورة عن شيء يجب إصلاحه، لا عن شيء يجب الهروب منه.
أما الغد، فهو الذي سيحكم على «مؤسسات الريادة».
وعندما تصل نتائج الأجيال التي درست فيها إلى الإختبارات الدولية، لن يكون مقبولا أن نبحث مرة أخرى عن «منظومة أقدم» نلقي عليها المسؤولية.
فقد نفذت الأعذار قبل أن تنفد سنوات الدراسة.

وفي النهاية، PISA لم يحاكم «مؤسسات الريادة»… لكنه وضع التعليم المغربي أمام المرآة.. والمرآة لا تصنع العيوب، وإنما تكشفها.
أما الإمتحان الحقيقي، فليس ٱمتحان التلميذ وحده، إنه ٱمتحان الإصلاح نفسه… وعند ظهور النتائج، لن تكون «المنظومة السابقة» قادرة إلى الأبد على الجلوس مكان المتهم!.

Comments (0)
Add Comment