*وزير العدل المغربي يفتح كوميديا سياسية مع الفايسبوكيين!* .

✍🏼بقلم: _الكاتب الصحفي_
[*ذ.هشام الدكاني*]

يبدو أن المغاربة كانوا ينتظرون من وزير العدل أن يخرج عليهم بالقانون، فإذا به يخرج عليهم بـ«التحدي!».
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون وزير العدل أكثر الناس حرصا على ٱنتقاء كلماته، خصوصا عندما يخاطب مواطنين ينتقدونه، وجد المغاربة أنفسهم أمام خطاب أقرب إلى مشهد من برنامج ساخر:
«لذلك أقول: للسفهاء… لهؤلاء الفايسبوكيين: أتحداكم!».
وهنا لا بد من التوقف قليلا…
ليس لأن (الفايسبوكيين) ٱخترعوا نوعا جديدا من المعارضة، ولكن لأننا أمام وزير للعدل، أي أمام مسؤول يفترض أن تكون الحجة القانونية هي سلاحه الأول، لا قاموس الشتائم ولا لغة التحدي.
– فيا معالي الوزير، ماذا نفعل الآن؟
– هل نفتح بطولة وطنية للفيسبوك؟
– أم نعلن عن مباراة رسمية بين الوزارة والفايسبوكيين؟
– وهل ستكون الجائزة الكبرى لمن يستطيع الصمود أكثر في التعليقات؟

المشهد يكاد يحتاج إلى مخرج!
المواطن يكتب منشورا…
الوزير يرد…
المواطن يعلق…
الوزير يتحدى…
والديمقراطية تجلس في الصف الأول تتفرج!
المشكلة ليست في أن يختلف الوزير مع منتقديه، ومن حقه أن يرد على كل ٱنتقاد، وأن يكشف بالأرقام والوثائق ما يعتبره مغالطات، وأن يدافع عن حصيلته ومواقفه.
لكن، هناك فرقا بين أن تقول للمواطن:
«هذه هي الحقائق، وهذه هي الوثائق».
وبين أن تقول له:
«أتحداكم!».
لأن المسؤول الحكومي ليس في مباراة (ديربي) مع الشعب، ثم إن وصف منتقدين بـ(السفهاء)، لا يجعل حجته أقوى، كما أن رفع نبرة الصوت لا تحول المعلومة الضعيفة إلى حقيقة، ولا تحول المسؤول إلى بطل في حلبة الملاسنات.
والأطرف أن الوزير يتحدث عن (الفايسبوكيين) وكأنهم كائنات سياسية غريبة هبطت فجأة من كوكب “مارك زوكربيرغ”!
يا معالي الوزير، هؤلاء الفايسبوكيون ليسوا جيشا أجنبيا، إنهم مواطنون مغاربة.
منهم الأستاذ، والطبيب، والمحامي، والصحفي، والموظف، والعاطل، والتاجر، والطالب، ورب الأسرة… ومنهم طبعا من يكتب ما لا يستحق القراءة، وهذا موجود في كل المجتمعات وفي كل المنابر، لكن الحل ليس أن نضع الجميع في سلة واحدة ثم نكتب عليها:«السفهاء».
والأغرب من ذلك كله أن هذا الكلام يصدر عن وزير العدل تحديدا!
فإذا كان بعض المنتقدين قد تجاوزوا القانون، فهناك قانون.
وإذا نشروا معطيات كاذبة، فهناك وسائل قانونية للرد.
وإذا ٱرتكبوا سبا أو قذفا، فهناك القضاء.
أما إذا كان ما يفعلونه مجرد نقد سياسي أو رأي مخالف، فهنا تبدأ الديمقراطية الحقيقية.
بمعنى آخر:
– القانون موجود يا معالي الوزير، فلماذا كل هذا الأكشن؟
كان يكفي أن تقول:
«من لديه ملاحظات فليقدمها، وسأجيب عنها بالوثائق»، وٱنتهت القصة.
لكن «السفهاء» و«أتحداكم» نقلتا الخطاب من مناقشة الحصيلة إلى منازلة الأشخاص، ومن السياسة إلى ما يشبه «تحدي القفص».
والغريب أن بعض المسؤولين يطالبون المواطن دائما بالهدوء، وٱحترام المؤسسات، وٱنتظار الأجوبة الرسمية، ثم عندما يجدون أنفسهم في مواجهة نقد مزعج، يتحول الخطاب فجأة إلى:
«تعالوا نرى من سيصمد!».

هكذا تتحول مواقع التواصل الإجتماعي من فضاء للنقاش إلى حلبة ملاكمة سياسية.
والمواطن المسكين لا يعرف هل يكتب تعليقا أم يرتدي القفازات!
لكن بعيدا عن كل ذلك، هناك سؤال مهم:
– هل المطلوب من المواطن أن يخاف من المسؤول، أم أن المسؤول هو الذي ينبغي أن يكون مستعدا دائما لتقديم الحساب للمواطن؟
في الديمقراطية، المسؤول لا يطلب من المواطن أن يعجب به، بل يطلب منه أن يحكم على أدائه، والحصيلة لا تحتاج إلى «أتحداكم».. الحصيلة تحتاج إلى أرقام.
والمشاريع لا تحتاج إلى الصراخ.. تحتاج إلى نتائج.
والإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى وصف المنتقدين بالسفهاء.. بل يجعل المنتقد نفسه مضطرا إلى البحث عن شيء آخر ينتقده.
أما عندما يصبح الرد على النقد هو «أتحداكم»، فإن المواطن قد يجيب بكل بساطة:
«لسنا في مسابقة يا معالي الوزير… نحن فقط نسأل، وأنتم مسؤولون عن الجواب».
وهنا، ربما تكون المفارقة الأكبر أن وزير العدل الذي يفترض أن يعلمنا أن القانون فوق الجميع، وجد نفسه، ولو في لحظة خطابية غير موفقة، يخوض معركة لفظية مع مواطنين يفترض أن يكون حقهم في النقد جزءا من المشهد الديمقراطي نفسه.

لذلك، لا نريد من الوزير أن يحب «الفايسبوكيين»، ولا أن يصفق لكل ما يكتبون.
نريد فقط شيئا بسيطا جدا:
«لا تتحداهم… بل أجبهم».
فإذا كانوا مخطئين، فالحجة تفضح خطأهم.
وإذا كانوا على حق، فالتحدي لن يغير الحقيقة.
أما كلمة «السفهاء»… فربما الأفضل أن تبقى في كتب اللغة، وأن نترك للفيسبوك شيئا أكثر فائدة:
**الأرقام، والوثائق، والحجج… ثم دعوا المغاربة يحكمون.**

Comments (0)
Add Comment