عبد العزيز اللاجي- بيان مراكش-
المشهد الذي أثار الجدل مؤخرا، والمتعلق بالتيكتوكر المعروف بـ”مول الحوت” وهو يصور أستاذه السابق داخل سيارة بسيطة بينما يظهر هو بسيارة فارهة ويتنمر عليه، لم يكن مجرد محتوى عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. بل كان صدمة أخلاقية أعادت طرح سؤال عميق: أي نوع من المجتمع نريد؟ وهل أصبح المال والمظاهر معيارا يقاس به احترام الناس وقيمتهم؟
ما قام به هذا الشخص لا يمكن اعتباره “مزحة”، ولا يدخل ضمن حرية التعبير. هو فعل كامل الأركان من التشهير والتنمر الرقمي ونشر الإهانة. تصوير شخص دون إذنه، والسخرية منه، ثم نشر الفيديو لتعزيز صورة المتفوق ماديا والمتكبر اجتماعيا، هو سلوك ينتهك ليس فقط كرامة أستاذ واحد، بل كرامة مهنة بكاملها. رجل التعليم ليس مجرد موظف عادي، هو الشخص الذي يفتح العقول، ويصنع الوعي، ويسهم في بناء مجتمع متعلم. حين يصبح هذا الرجل مادة سخرية ممن يفترض أنه كان تلميذا بالأمس، فهذه رسالة خطيرة للأجيال: المعرفة لا قيمة لها، والاحترام لا يكتسب بالعلم، بل بما تملك من سيارة.
المفارقة المؤلمة أن الشخص نفسه كان يقدم قبل أشهر كرمز للشباب المجتهد والكفاح الشعبي، وتحول إلى نموذج آخر لنوعية خطيرة: من يتغذى على الشهرة ويعتبر الإهانة مصدرا للمشاهدات. هنا لا يصبح الهاتف وسيلة للتواصل بل سلاحا، ولا يصبح المحتوى وسيلة للتوعية بل أداة لتدمير الاحترام والثقة بين الأجيال.
الأخطر أن هذا السلوك لم يظهر من العدم، بل تغذى على واقع مختل القيم: مجتمع يصفق لأصحاب السيارات الفاخرة مهما كان مصدر الثروة، ويغض الطرف عن من يحتقر الآخرين ما دام “دار البوز” و”طلع فالترند”. والأشد مرارة أن المجتمع نفسه ينظر إلى الأستاذ، الطبيب، الباحث، المهندس، رجل العلم، باعتبارهم غير ناجحين ما داموا لا يقودون سيارات فارهة أو لا يظهرون في شبكات التواصل.
هذه الواقعة أعادت طرح سؤال أخلاقي وليس إعلاميا فقط: من يمنح القوة لهؤلاء؟ الجواب بسيط ومزعج: نحن. نحن من يشاهد، يشارك، يصفق، ويحول الإساءة إلى شهرة، والإهانة إلى رصيد رقمي.
هذا ليس وقت الصمت. من واجب المجتمع والمدرسة والنقابات والمؤسسات أن ترفض بوضوح مثل هذا السلوك، وأن تدافع عن كرامة كل من يعمل من أجل العلم والمعرفة. يجب على منصات التواصل أيضا أن تتحمل مسؤوليتها في حماية الأفراد من الاستهداف العلني والتشهير والتنمر.
قد يغير شخص سيارته أو مظهره أو رصيده البنكي، لكن الأخلاق لا تشترى، والاحترام لا يفرض، والتاريخ لا يذكر من استعرض ثروته، بل من ترك أثرا. الأستاذ الذي ظهر في الفيديو قد يقود سيارة بسيطة، لكنه ساهم في بناء أجيال. أما من استعمل الكاميرا لإهانته، فلو امتلك طائرة وليس فقط سيارة، سيظل مجرد نسخة أخرى من “الشهرة الفارغة التي لا تصنع قيمة”.
إدانة هذا الفعل ليست اصطفافا ضد شخص، بل دفاعا عن مبدأ: احترام الأستاذ ليس خيارا… بل أساس حضاري لا تفاوض فيه.