✍🏻 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
لم تكن الفيضانات التي ٱجتاحت مدينة «آسفي» مؤخرا مجرد ظاهرة طبيعية ٱستثنائية، بل كانت مأساة إنسانية مكتملة الأركان، حصدت أرواح ما يقارب سبعة وأربعين شخصا، في مشهد يفترض أنه لا ينتمي إلى مغرب اليوم، ولا إلى دولة تعلن ٱستعدادها لٱحتضان أكبر التظاهرات القارية والعالمية.
لقد تحول المطر، الذي هو نعمة في الأصل، إلى أداة قتل جماعي، لا بسبب شدته، بل بفعل العبث والإخلال الصارخ بالمسؤوليات المنوطة بتدبير قطاع الصرف الصحي والبنيات التحتية الأساسية.
ما وقع في «آسفي» لم يكن مفاجئا لمن يعرف واقع شبكات الصرف الصحي بالمدينة (قنوات مهترئة، طاقة ٱستيعابية محدودة، غياب الصيانة الدورية، وتوسع عمراني غير مواكب بتجهيزات ملائمة).
سنوات من التسويف، وتأجيل المشاريع الحيوية، والتعامل مع البنية التحتية بمنطق الترقيع، ٱنتهت بكارثة!
فحين غمرت المياه الأزقة والمنازل والمرافق، لم تكن المدينة تواجه المطر، بل كانت تواجه تاريخا طويلا من سوء التدبير!!
إن الإخلال بواجب التخطيط والٱستباق لا يمكن تبريره بالقوة القاهرة.
فالدول لا تقاس بقدرتها على رد الفعل بعد الكارثة، بل بمدى جاهزيتها قبل وقوعها.
وما حدث في «آسفي» يحيل، بوضوح على مسؤوليات إدارية ومؤسساتية، تستوجب المساءلة لا المجاملة، والمحاسبة لا الصمت.
وإذا كانت آسفي قد دفعت ثمن الإهمال بالماء، فإن مناطق الحوز تدفعه بالبرد والثلج، للعام الثالث على التوالي!!!
عدد ضخم من المتضررين من زلزال لم تندمل جراحه بعد، ما زالوا يواجهون شتاء قاسيا في ظروف لا تليق بكرامة الإنسان (خيام مهترئة، مساكن مؤقتة لا تصمد أمام الصقيع، ونقص حاد في وسائل التدفئة والتجهيزات الأساسية).
وفي هذه الأيام الشتوية القاسية، تتكرر المعاناة ذاتها في مناطق الأطلس المتوسط والكبير، بين بني ملال وإفران، وفي عدد من الجماعات الجبلية الأخرى، حيث ٱجتاحت الثلوج القرى والمداشر، وعزلت السكان عن العالم الخارجي.
ورغم أن هذه الظواهر موسمية ومتوقعة، إلا أن ضعف المعدات، وقلة الجرافات، وبطء التدخل، تكشف مرة أخرى غياب رؤية ٱستباقية حقيقية للتعامل مع الطبيعة، لا بوصفها طارئا، بل واقعا جغرافيا دائما.
لكن المفارقة المؤلمة، أن كل هذه المآسي تتزامن مع سباق محموم لتهيئة الملاعب والبنيات الرياضية، ٱستعدادا لكأس إفريقيا، وفي أفق تنظيم كأس العالم 2030، وقد أثبت المغرب قدرة كبيرة على إنجاز هذه المنشآت في آجال وجيزة وبمعايير دولية!
غير أن السؤال الجوهري يظل معلقا:
– كيف ننجح في بناء ملاعب عالمية، ونعجز في المقابل عن تهيئة قنوات صرف صحي تحمي الأرواح؟
– كيف نجيد صناعة الصورة، ونهمل جوهر العيش الكريم؟
إن التنمية ليست منصات إسمنتية فقط، بل هي شبكة أمان تحمي المواطن في بيته وشارعه وقريته… ولا معنى لملاعب مضيئة، إذا كانت مدن تغرق، وقرى تتجمد، وسكان يتركون لمصيرهم عند أول ٱختبار للطبيعة.
إن ما يجمع بين فاجعة آسفي ومعاناة الحوز ومناطق الأطلس، هو غياب الحكامة الجيدة، وضعف التنسيق، وٱرتباك الأولويات.
فالكوارث الطبيعية لا تتحول إلى مآس إنسانية إلا حين تجد هشاشة بنيوية تستقبلها، وحين تغيب المحاسبة، يتكرر السيناريو ذاته بأسماء وأماكن مختلفة.
المطلوب اليوم ليس فقط لجان تقصي، ولا خطابات تعاطف، بل مراجعة جذرية لسياسات البنية التحتية، وٱستثمار حقيقي في الوقاية، وتجهيز فعلي للمناطق الهشة، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، دون ٱنتقائية أو تمييع.
فأرواح ضحايا آسفي، ومعاناة متضرري الحوز، وآلام سكان الأطلس، ليست أرقاما عابرة في نشرات الأخبار، بل ٱختبار أخلاقي وسياسي حقيقي.
ٱختبار يفرض إعادة ترتيب سلم الأولويات (كرامة الإنسان قبل الواجهات، والسلامة قبل التظاهرات، والوقاية قبل الفاجعة).
وحدها دولة تجعل من المواطن مركز سياساتها، قادرة على أن تستقبل العالم مرفوعة الرأس.
أما غير ذلك، فسيبقى المطر قاتلا، والثلج سجانا، والإهمال شريكا صامتا في المأساة.