من سرقة علمية بأكادير إلى “ماسترات قيلش”: حين يصبح الفساد الأكاديمي وصمة عار عابرة للحدود

لم يكن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بأكادير يوم الثلاثاء 10 يونيو 2025، بإدانة أستاذ جامعي بتهمة السرقة العلمية، مجرد خبر عابر في الساحة القضائية، بل كان بمثابة حجر أُلقي في مياه راكدة، كاشفاً عن عمق التصدعات التي أصابت صرح المنظومة الجامعية المغربية. فإدانة أستاذ بسرقة 99% من مؤلف زميله المتقاعد، وفرض غرامة مالية عليه لا تتناسب وحجم الجرم الأخلاقي والعلمي، ليست إلا قمة جبل الجليد لظاهرة أوسع وأخطر باتت تعرف في الأوساط الشعبية بـ “ماسترات قيلش”؛ أي الشهادات والمسارات الأكاديمية المزورة أو التي لا تستوفي أدنى معايير الجودة والمصداقية.
إن قضية أكادير، بكل تفاصيلها الصادمة، تفتح الباب على مصراعيه أمام سلسلة من الفضائح التي بدأت تطفو على السطح تباعا في السنوات الأخيرة، من فضائح “الجنس مقابل النقط” إلى شبكات بيع الشهادات والبحوث الجاهزة. لقد تحولت الجامعة، التي يفترض أن تكون منارة للعلم والأخلاق ومشتلا للكفاءات، في بعض أركانها إلى سوق سوداء تباع فيها الذمم وتشترى فيها الدرجات العلمية، مما يهدد بنسف قيمة الشهادات المغربية من أساسها.
عندما يعبر الفساد الحدود
الأخطر في هذه الظواهر المتلاحقة هو أنها لم تعد شأناً داخليا يقتصر على نقاشات النخب والأوساط الأكاديمية المغربية. بل تجاوزت الفضيحة الحدود وأصبحت مادة دسمة تلوكها الألسن في الخارج. ففي عالم اليوم المترابط، حيث يتم تقييم الشهادات والخبرات عبر منصات دولية، فإن كل فضيحة أكاديمية مغربية تسجل هي بمثابة طعنة في مصداقية آلاف الخريجين والباحثين المغاربة الجادين. لقد بدأ الشك يتسلل إلى المؤسسات الأكاديمية والشركات الدولية حول حقيقة وجودة التكوين في بعض الجامعات المغربية، وهو ما يضعف من تنافسية خريجينا ويضرب في الصميم السمعة التي بنتها أجيال من الأساتذة والطلبة الشرفاء.
لم يعد الأمر يتعلق بسرقة علمية معزولة هنا أو تلاعب بالنقاط هناك، بل أصبحنا أمام منظومة فساد مترامية الأطراف، لها امتداداتها وعلاقاتها التي تسمح لها بالنمو والتكاثر في بيئة يغيب فيها العقاب الرادع وتضعف فيها آليات الرقابة والمحاسبة.
بطء في البتر… وسرطان يتفشى
وهنا يكمن جوهر المعضلة، ففي مقابل سرعة انتشار هذه الفضائح وتأثيرها المدمر، نلاحظ بطئاً مقلقاً في تعاطي السلطات المعنية مع هذا السرطان الذي ينخر جسد التعليم العالي. إن الحكم الصادر في قضية أكادير، على أهميته كسابقة قضائية، يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى نجاعة العقوبات. هل غرامة مالية قدرها 10,000 درهم وتعويض مدني يمكن أن تردع أستاذا جامعيا عن ارتكاب جريمة أخلاقية بهذا الحجم؟ أين هي الإجراءات الإدارية والتأديبية الفورية والحاسمة من طرف الجامعة ووزارة التعليم العالي؟
إن بتر واجتثات جذور الفساد في الجامعة وغيرها من المرافق الحيوية يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحلول الترقيعية والعقوبات الرمزية. يجب تفعيل لجان النزاهة العلمية ومنحها صلاحيات واسعة ومستقلة للتحقيق والبت في كل أشكال الغش والفساد. كما يجب تشديد العقوبات لتشمل، بالإضافة إلى الجانب المالي، العزل من الوظيفة والمنع من ممارسة أي نشاط أكاديمي مستقبلاً، مع التشهير بكل من يثبت تورطه لتكون العقوبة عبرة للآخرين.
إن معركة اليوم ليست فقط لإنقاذ سمعة الجامعة المغربية، بل هي معركة من أجل مستقبل المغرب نفسه. فبدون نظام تعليم عالٍ نزيه وذي جودة، لا يمكن بناء اقتصاد معرفي قوي، ولا يمكن تخريج أطر قادرة على رفع تحديات التنمية. إن ترك “ماسترات قيلش” تتكاثر يعني، ببساطة، تخريج أفواج من “المسؤولين قيلش” و”الأطباء قيلش” و”المهندسين قيلش”، وهو ما سيؤدي حتما إلى انهيار شامل للمنظومة المجتمعية. لقد دقت ساعة الحقيقة، وإما أن ننتصر للعلم والنزاهة، أو نترك الفساد يلتهم مستقبل أجيالنا.

Comments (0)
Add Comment