م.س : بيان مراكش
في سياق الدينامية الإصلاحية التي يشهدها تدبير الشأن الترابي بالمملكة المغربية الشريفة، يواصل وزير الداخلية السيد عبد الوافي لفتيت تكريس مقاربة تقوم على ترسيخ الحكامة الجيدة وتعزيز إحترام المقتضيات القانونية المؤطرة لعمل الجماعات الترابية ، وتندرج المراسلة التي وجهها إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم ،بشأن كيفية تطبيق الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية ضمن هذا المسار الهادف إلى إرساء ممارسة إدارية منضبطة ، قوامها توحيد التأويل السليم للنصوص القانونية وضمان العدالة الجبائية بين المواطنين.
كما تعكس هذه المبادرة حرص وزارة الداخلية على مواكبة الجماعات الترابية في تنزيل الإصلاحات التي جاء بها القانون رقم 14.25 المغير والمتمم لمقتضيات القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، بما يحقق التوازن بين تنمية الموارد المالية المحلية وإحترام الضوابط القانونية المنظمة للجباية.
وتكتسي هذه المراسلة أهمية خاصة في كيفية تنزيل مقتضيات الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، سواء من حيث شروط الخضوع لهذا الرسم أو من حيث تحديد أسعاره وفق مستوى تجهيز المناطق… ويعكس هذا التفاوت في التطبيق إشكالية تتعلق أحيانا بمدى إستيعاب بعض الجماعات للفلسفة التي يقوم عليها هذا الرسم، والتي لا تقتصر على كونه موردا ماليا للجماعات، بل تمتد لتشمل بعدا تنظيميا يهدف إلى ترشيد إستغلال الوعاء العقاري داخل المجال الحضري والحد من ظاهرة الإحتفاظ بالأراضي القابلة للبناء دون إستثمارها.
وفي هذا الإطار، شددت مراسلة السيد وزير الداخلية على ضرورة التقيد الصارم بالشروط القانونية التي تؤطر فرض هذا الرسم، كما وردت في المادة 39 من القانون رقم 47.06، والتي تحدد بدقة المجالات الترابية التي يمكن أن تخضع له، من قبيل الأراضي الواقعة داخل المدارات الحضرية أو المراكز المحددة بنصوص تنظيمية أو المناطق المشمولة بتصاميم التهيئة… ويكتسي هذا التذكير أهمية خاصة في ظل ما لوحظ من لجوء بعض الجماعات إلى فرض الرسم على أراض مشمولة فقط بتصاميم النمو، رغم أن هذا المعطى لا يكفي قانونا لترتيب الخضوع للضريبة.
كما أولت المراسلة عناية خاصة لمسألة تحديد أسعار الرسم، مؤكدة على ضرورة ملاءمتها مع مستوى التجهيز الذي تعرفه المناطق المعنية، وذلك تفعيلا لمبدأ التدرج الذي أقره المشرع ، فإعتماد السعر الأقصى بشكل شبه آلي، دون مراعاة الفوارق القائمة بين الأحياء من حيث توفر البنيات التحتية والخدمات الأساسية، من شأنه أن يفرغ هذا الرسم من بعده العادل، ويحول دون تحقيق التوازن المطلوب بين مصلحة الجماعات في تنمية مواردها ومصلحة الملزمين في الخضوع لنظام جبائي منصف ومتوازن.
ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة هذه المراسلة بإعتبارها جزءا من مسار إصلاحي يروم تعزيز الحكامة المالية للجماعات الترابية وترسيخ قواعد العدالة الجبائية على المستوى المحلي ، فنجاعة النظام الجبائي المحلي لا تقاس فقط بقدرته على تعبئة الموارد، بل أيضا بمدى إنسجامه مع مبادئ الشفافية والإنصاف وإحترام المشروعية القانونية ،
وعليه فإن التوجيهات الصادرة عن وزارة الداخلية لا تهدف فقط إلى معالجة إختلالات ظرفية في التطبيق، بل تسعى إلى إرساء مقاربة أكثر توازنا في تدبير الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، بما يضمن توحيد الممارسة الإدارية وتفادي التأويلات المتباينة للنصوص القانونية ، كما يعزز هذا التوجه دور السلطة الترابية في مواكبة الجماعات وتأطير قراراتها، بما يكرس التكامل بين متطلبات التدبير المحلي وضوابط المشروعية القانونية.
إن حسن تنزيل هذا التوجه الإصلاحي يمكن أن يجعل من الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية أداة فعالة لتحفيز الإستثمار العمراني وترشيد إستعمال العقار داخل المدن، وهو ما يشكل أحد الرهانات الأساسية للسياسات الترابية بالمغرب في ظل التحولات الحضرية المتسارعة.