…….لنحرر الأشباح!!

 

…….قصة بقلم: علي درويش

👽👽👽

ضغط على نقطة النهاية، ثم طوى مسودة رواية أخرى استنزفت منه جهدا وسهرا. وضعها جانبا وهو يتنهد كمن تخلص أخيرا من حمل ثقيل، ثم استلقى بجسده المنهك على السرير ليسافر في نوم عميق.

شعر بلمسات غريبة تربت على كتفه؛ تململ قليلا، تنتابه رغبة في الاستغراق في حلم لذيذ. أخفى وجهه بطرف الغطاء الناعم، واستدار على شقه الأيمن… لكن اللمسات تكررت. تأفف، واستدار ثانية. تذكر فجأة أنه ينام وحيدا في غرفته، ولا أحد سواه في هذا المنزل الكبير، فاستعاذ بالله، حاول أن يعود إلى النوم، لكن اللمسات هذه المرة تحولت إلى هز عنيف. انتفض مذعورا:

— من؟! من هناك؟!

مد يده المرتجفة نحو المصباح، فأوقعه أرضا. نظر نحو النافذة من حيث يتسلل ضوء قمر خافت، فذهل:

-يا للهول! طيف هائل أشبه بشبح عملاق يقف منتصبا أمامه.

تسارعت دقات قلبه فكادت تخترق أضلعه. حاول الوقوف وركبتاه ترتعشان:

— من أنت؟ ماذا تريد؟ كيف دخلت إلى هنا؟!

تحرك الشبح نحو بهو المنزل، فسار وراءه متوجسا. ثم استدار الشبح نحوه، مشيرا إلى أشباه كائنات بشرية، متفاوتة الأعمار والقامات، تحدق فيه بنظرات غريبة، وهي تلوح بصفحة عريضة كُتبت عليها عبارات مبهمة.

هزه كبيرهم من كتفه:

— اقرأ! إنهم يطالبونك بالإنصاف؛بألا تكلّفهم ما لا يرضيهم إرضاء لغيرهم.

استدار نحو كبيرهم مرتبكا:

— لكن… من أنت؟ ومن هؤلاء؟ وكيف استبحتم حرمة منزلي؟

قهقه الشبح بسخرية هزّت أركان المكان:

— على رسلك! أنحن من استباح حرمتك؟ يا لجرأتك! تسألني من أكون؟ وهل منحتني اسما أصلا؟ أنا كائن أنجبتَه بلا عقيقة، فظل نكرة، تشير إليه بضمير غائب. رسمتني على الورق، فبقيت أطوف بين الكلمات والأسطر.

أما هؤلاء… فهم من كلفتني بنقل أخبارهم ورصد حركاتهم وسكناتهم، وهم من أطلعتني على سرّهم ونجواهم. لقد يئسوا من إنصافك، وأدْمَت قيودُك معاصمهم. اصغ إليهم… فلعلّك تطلق سراحهم، وإلا فسيقضّون مضجعك كل ليلة، ويسلبونك لذة أحلامك.

اقترب منهم. وقعت عيناه على حسناء تتشبث بذراع رجل يحمل حقيبة، كأنه يستعد للرحيل. كانت تمسح دموعها، وهي تلفتت نحوه، وقد احمرت عيناها :

— لماذا تشعل فتيل الحب بيني وبينه، مادمت منذ البداية تنوي أن تحاصرنا بألف مانع؟ كفاك ظلما… دع العلاقة تنمو حرة.

جال ببصره في جنبات البهو المكتظ بشخوص وأشباه شخوص، استوقفه شاب أشعث، بوجه أغبر، ينفث دخان سيجارة ذابلة. انتفض الشاب يشكو بمرارة:

— لست أنا من اخترت الإدمان الذي ورطتني فيه. أنا نتاج واقعكم المتعفن أنا ضحية بطالة خانقة صنعتها سياسة تأبى أن تكون منصفة .نعم! أنا مدمن، حالم بالفرار أو الهلاك؛ لا فرق!!. أن يبتلعني جوف البحر مرة أهون علي من قسوة حياة بينكم أكتوي بنارها مرارا بالليل والنهار. أما كان عليك ألا تكتم صوتي لأستنكر صارخا بملء حنجرتي؟ بدل أن تنوب عني، وتُسلي قراءك بحكايات زائفة عن بطولاتي في النشل والخداع، أو تصوّرني رمزا للصبر والتحدي في واقع بئيس تلونه كما تشاء؟

جذبه كبيرهم من جديد، مشيرا إلى الخارج:

— انظر! فهناك أناس لا نراهم نحن وتراهم أنت لأنهم من بنات خيالك:

صديقات وأصدقاء، طلبة؛ باعة؛مارة، مسافرون،إنهم قرّاء رسمتهم في ذهنك على أمل أن يقرؤوا لك وقد لا يقرأ لك أحدهم بالفعل؛ وهناك رسمت ذاك الناقد المعتكف على صفحات، يقلب أحلام غيره وآلامهم، فيوزع المدح أو الذم على من يشاء وكما يحلو له.

هؤلاء جميعهم كانوا يسكنونك وأنت تكتب، أي وأنت تحرّكنا ،نحن، بخيوط كلماتك مثل الدمى، لنسلي ونضحك هذا أو لنحزن ونبكي ذاك، وكأننا ملك يمينك، تشكلنا كما تشاء وتنطقنا بما تشاء.

أمسك برأسه بين كفيه وصرخ محتجا:

— حسنًا! وما المطلوب مني الآن؟

جاءه الرد بصوت جماعي كهدير جارف:

— حرّر نفسك… نتحرر معك. حرّرنا، وكن جريئا في ألا تقيد ألسنتنا وحركاتنا. دعنا أحرارا طلقاء، كن حرا بارعا في توجيه زمام الكلمة إنا نراك تتوشح بعباءة فارس مغوار في مضمار اللغة؟ أليست اللغة كائنا ماكرا مراوغا يجيد فن التسلل حين تصحو عين الرقيب؟ فلتكن لغتك زئبقا ينفلت من كف السلطة؛ دعها شفافة مواربة و لقحها بالرمز والاستعارة والإيحاء ؛ لتتعدد أصواتنا نحن؛ حرة طليقة تخترق مسام الحواجز! حررها! فالأدب فن والفن صوت الحرية والحرية روح الإبداع بها يسمو ومن خلالها يحيا ويخلد

اخترق الصوت طبلة أذنه. استدار، فوجد يده تمتد نحو المصباح. أضاءه وهو يتصبب عرقا. صمت قليلا مترددا يتنازعه الإقدام والإحجام ثم همس:

— سأبدأ من الصفر… سأحاول أن أكون حرا.

جذب كومة الأوراق، تأملها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم يتذوقها من قبل. بدأ يمزقها إربا إربا، في هدوء غريب، كمن ينزع عن معصمه قيدا قديما؛ صار يكلم أشباحا لم يعد لهم وجود حين صحا من نومه :

-الآن فقط، سأستيقظ. سأكتبكم كما تريدون … لا كما أريد أنا، ولا كما يريد قرائي ..سأكون حرا لأمنحكم حريتكم.

ع.د

Comments (0)
Add Comment