حميد حنصالي-
يخوض المغرب تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 بثقة الدول التي راكمت التجربة، وأثبتت أن النجاح في استضافة التظاهرات الكبرى لا يُقاس بالخطاب الدعائي، بل بصرامة التنظيم، واحترام القواعد، والقدرة على تأمين فضاء رياضي آمن ومتحضر. فقد قدّم المغرب نموذجًا قاريًا متقدمًا في الانضباط المؤسساتي، الجاهزية اللوجستية، وحُسن استقبال الجماهير والوفود، دون تمييز أو استثناء، مؤكدًا أن الرياضة واجهة حضارية قبل أن تكون منافسة رياضية.
غير أن هذا النجاح التنظيمي اصطدم، في بعض المحطات، بسلوكيات صادمة صادرة عن فئات من جماهير المنتخب الجزائري، سلوكيات لا يمكن تصنيفها ضمن خانة الحماس الجماهيري ولا تبريرها بالانفعال الرياضي، لأنها تجاوزت كل الأعراف وضربت في العمق قيم الرياضة وأخلاقيات التشجيع.
فقد تم تسجيل سلسلة من الأفعال الخطيرة والمشينة، من بينها التطاول على رموز سيادية مغربية، وفي مقدمتها صورة جلالة الملك، وسرقة كرات المباريات من داخل الملاعب، والتبول داخل المدرجات مع توثيق ذلك في مقاطع مصوّرة، في استخفاف فجّ بالفضاء العام. كما شملت هذه السلوكيات الاعتداء على صحفيين أثناء أدائهم لمهامهم المهنية، والاعتداء على مشجع كونغولي، ومحاولة الاعتداء على الحكم السنغالي الذي أدار مباراة الجزائر ونيجيريا، إضافة إلى الاعتداء على لاعبين نيجيريين بعد نهاية المباراة.
ولم تتوقف هذه التجاوزات عند أسوار الملاعب، بل امتدت إلى الفضاءات المدنية، حيث أقدم بعض المحسوبين على هذه الجماهير على تخريب مطعم بحي ﭬليز، شارع للا عائشة، ورفض أداء الفاتورة بعد الاستهلاك، في تصرف يعكس استهتارًا بالقانون واحتقارًا لأبسط قواعد العيش المشترك.
الأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الأفعال وقعت رغم ما لقيته الجماهير من استقبال راقٍ، وتأمين محكم، ومعاملة محترمة من طرف المغاربة، الذين التزموا بأعلى درجات المسؤولية، وأثبتوا أن الاختلاف الرياضي لا يبرر الإساءة ولا التخريب ولا الاعتداء.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه:
هل كان قرار عبد المجيد تبون الإبقاء على إغلاق الحدود خيارًا صائبًا يعالج أصل أزمة السلوك والانفلات، أم مجرّد هروب سياسي إلى الأمام يُعاقِب الشعوب بدل مساءلة الخطاب التحريضي ومنظومات التأطير التي أنتجت هذا الانفجار في المدرجات؟
إن ما حدث يكشف بوضوح أن الإشكال لا يكمن في مباراة أو نتيجة، بل في أزمة عميقة في ثقافة التشجيع، حيث يُستبدل التأطير بالتعبئة، والمحاسبة بالتبرير، والرياضة بخطاب عدائي يجد في الفوضى الجماهيرية امتدادًا طبيعيًا له. وهي مسؤولية لا تقع على عاتق الجماهير وحدها، بل تشمل الإعلام، والهيئات الرياضية، والمؤسسات التي اختارت الصمت أو التبرير بدل المواجهة الصريحة.
خلاصة
كأس إفريقيا 2025 بالمغرب ليست ساحة لتصفية الحسابات ولا منصة لتصدير الفوضى، بل اختبار حقيقي لمدى نضج المجتمعات وقدرتها على تمثيل نفسها داخل الفضاءات القارية والدولية. وقد نجح المغرب في امتحان التنظيم والوعي، بينما كشفت بعض السلوكيات الجماهيرية عن فشل ذريع في امتحان الأخلاق والمسؤولية. فالإساءة للفضاء العام، والاعتداء على الأشخاص، والتطاول على الرموز، لا تعبّر عن الانتماء، بل تُدين أصحابها وتشوّه صورتهم أمام القارة والعالم.