ظاهرة الهاتف الجوال،بقلم :أميمة أيت سعيد وأنس العلوي.

إن واقعنا المعاصر لا يبشر بخير ، ومن بين البراهين التي تشهد على هذه الحقيقة ، ما نشاهده في شوارعنا و أزقتنا ، إنها الفوضى العارمة التي تتجلى في عدم احترام قانون السير ، فعندما تغادر بيتك للذهاب إلى مكان ما في ناحية من نواحي المدينة ، فعليك أن تكون على وضوء ، و تقرأ دعاء الخروج من البيت ، لأنك ستواجه أخطارا تهاجمك من كل جهة ، من بين يديك ومن خلفك ، ومن جانبك الأيمن و الأيسر ، فكن راجلا أو راكبا على دراجة هوائية أو نارية ، أو على سيارة أو شاحنة أو حافلة ، فأنت لست في مأمن من مكروه قد يصيبك في أية لحظة ، فخذ مثلا ظاهرة الهاتف الجوال ، كواحدة من ظواهر شتى ، تعج بها الشوارع ، وتموج فيها ، فهناك من يمشي في الشارع ، وهو واضع هاتفه الجوال على أذنه ، يتكلم بصوت خافت أو بصوت عال ، غير آبه بما يدور حوله ، يسرع الخطى تارة ويتمهل في مشيه تارة أخرى ، يرفع رأسه إلى السماء بين الفينة و الأخرى ، ويخفضه أحيانا وكأنه يبحث عن شيء ضاع منه ، يحرك في الهواء اليد التي لا تحمل الهاتف وكأنه يصدر أوامر أو إرشادات إلى الطرف المخاطب الذي لا تراه العين ، وربما شاهدته ينتقل من ضفة الشارع إلى الضفة المقابلة لها ، وهو لا يكترث بما يتعرض له من مخاطر حركة السير .
إن حركة المرور تستوجب الحذر والتأني قبل الإنتقال من رصيف إلى اخر وتتطلب احترام قانون السير كيلا يحصل ما لاتحمد عقباه .
ذات مرة شاهدت رجلا راجلا يمشي على الرصيف ، وهاتفه الجوال سجين بين كفه و أذنه اليمينين ، يتكلم بأعلى صوته ، وهو في حالة غضب مفرطة ، يتطاير شرر الغضب من عينيه ، ويده اليسرى كأنها السيف التيار ، تهدد المخاطب بالويل و الوعيد ، وإذا بالرجل يرتطم رأسه بعمود من أعمدة الإنارة التي توجد على الرصيف ، وإذا بالدم ينهمر من هامته على وجهه وعلى هاتفه الجوال ، ودونما شعور ، يرمي بالهاتف ، ويمرر يده على وجهه ليتحسس ما جرى ، ودونما وعي كذلك ، يهوى إلى الأرض ، ليتكئ على العمود الكهربائي ، لعله يلتقط أنفاسه وهو في حالة من الذعر تدعو إلى الشفقة والسخرية في آن واحد .
إن هذا الإفراط في استعمال الهاتف الجوال ، من طرف المارة ، خصوصا في الوقت غير المناسب ، وفي المكان غير المناسب كذلك ، وطيلة مدة زمنية مفرطة ، وفي انقطاع تام عن العالم الخارجي ، هذه ظاهرة من ظواهر العصر الذي نعيش فيه والتي فرضت على مجتمعنا ، أصبحنا نعيش في نفق مظلم يصعب الخروح منه ، كل هذا يدفع بعقول الناس إلى الأسوأ ولا يوجد حل سوى التخلص من النفايات التكنولوجية ، من شتى الأنواع والأشكال ، ومن بين تلك النفايات الهاتف الجوال الذي يداهمنا بشكل مريع ، ولا يترك لنا فرصة الإستيعاب والفهم ، جعل عروقنا تجف منذ أمد بعيد ..
كذلك مشاهد سيئة أخرى مثل راكب الدراجة الهوائية أو النارية ، الذي يشد على. زمام الدراجة باليد اليمنى عادة ، وباليد اليسرى يقبض على هاتفه الجوال ، واضعا إياه على أذنه ، يتكلم مع مخاطبه طيلة مروره عبر الشوراع و الأزقة ، لا يتوقف عند الضوء الأحمر ، ولا يكترث بقانون السير ، وويل لمن أراد أن يحتج على تصرفه الشائن هذا ، وكم مرة يحصل ما يضره أو يضر بغيره إثر حادث سير نتج عن سوء تصرفه خلال تنقله المتهور على بساط الفوضى .
ثم نلحظ أن العدوى انتقلت كذلك إلى سائق السيارة ، وسائق الشاحنة ، وهنا تقع الكوارث والمآسي ، لأن حركة المرور لا تتحكم فيها إلا الفوضى العارمة ، وما عليك إلا أن تزور المستشفيات العمومية ، والمصحات الخصوصية ، ومحفظات الجثت ، لترى بأم عينيك هول المصائب التي تحصدها حركة المرور الطائشة ، اضف إلى هذه المشاهد استعمال الهاتف الجوال في بعض الأماكن ، مثل المستشفى ، عيادة الطبيب ، وبعض المصالح العمومية ، التي يستحسن أن يعطل فيها الهواتف احتراما لراحة الأخريين ،وبغية أداء الخدمات الإجتماعية الأداء السليم ، بل تسربت عدوى الهاتف الجوال داخل المدارس ، داخل حجرات المدارس ، مما أعاق العملية التعليمية من إنجازها النافع الناجح ، وإن دلت هذه الظاهرة على شيء ، فإنما تدل على أن مكونات المجتمع في معضمها لا تقيم وزنا للواجبات الملقاة على عاتقها ، لأنها بكل بساطة لم تتلق التربية الأخلاقية الضرورية والتنمية الإجتماعية اللازمة لبناء مجتمع منجز يعمل على توطيد روح المواطنة التي تبني ولاتهدم ، وهذا التصور للإنسان الصالح في المجتمع الصالح لبناء الغد الأفضل يحتاج إلى إرادة صلبة لاتلين ، وقدرة جبارة لا تنكسر ..
إن أدوات التكنولوجيا الحديثة ليست حلالا أو حراما في ذاتها ، ولا حسنة أو سيئة في ذاتها كذلك ، ولا طيبة أو خبيثة في ذاتها أيضا ، فالذي يجعلها مقبولة أو مرفوضة ، هي الدوافع التي تحفزنا على إقتنائها ، والأهداف التي نتوخى تحقيقها بإقتناء واستعمال هذه الأدوات فليكن كل الحذر من نفايات التكنولوجيا .

Comments (0)
Add Comment