دوار بوعيشة المرابطين بضواحي مراكش: عشرون سنة من التلاعب بالأراضي واستنزاف المياه تحت صمت السلطات

في ضواحي مراكش، وتحديدا في دوار بوعيشة المرابطين التابع لجماعة وقيادة سعادة، تتشكل ملامح أزمة مركبة عنوانها الأبرز غياب تطبيق القانون واستغلال النفوذ والصمت المريب تجاه ممارسات غير قانونية بدأت قبل نحو عقدين وما تزال تداعياتها تتفاقم إلى اليوم. فالوضع لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح نموذجا مصغرا لخلل بنيوي في منظومة الحكامة الترابية، حيث تدار قضايا الأراضي السلالية والمياه الجوفية بمنطق يناقض مبادئ المساواة والاستدامة والعدالة.

بدأت خيوط التلاعب منذ حوالي عشرين سنة، عندما جرى إدراج أشخاص نافذين ضمن لوائح ذوي الحقوق في أراضي الجموع، بناء على تنازلات مشبوهة وملتوية لا تمت للواقع بصلة. هؤلاء لم يكونوا من المستحقين، لكنهم استفادوا من نفوذهم ومساراتهم الإدارية والسياسية، فتحولوا إلى “مالكين مفترضين” حصلوا على أراض شاسعة دون سند قانوني، وبنوا عليها فيلات ومزارع على حساب حقوق الساكنة الأصلية.

لم يتوقف الأمر عند الاستيلاء على الأرض، بل تطور إلى حفر آبار مائية ضخمة تستعمل لري مساحات واسعة من المغروسات والمزروعات، دون أي ترخيص أو مراقبة. يحدث هذا في وقت يعيش فيه المغرب أزمة مائية غير مسبوقة، وفي ظل إجراءات رسمية صارمة لترشيد استغلال الموارد المائية، بينما ما يقع في هذه المنطقة ينسف كل الجهود الوطنية، ويستنزف الفرشة المائية تحت أعين وكالة الحوض المائي والسلطة المحلية بشكل يثير الكثير من الشكوك.

ومع مرور السنوات، توسعت الضيعات المشيدة فوق هذه الأراضي بشكل أكبر، وتواصل حفر آبار إضافية وبناء تجهيزات وسكنيات جديدة، في ظل غياب أي مراقبة عمرانية فعلية. وعندما تثار الضجة إعلاميًا أو عند حلول زيارات مفاجئة من مسؤولي وزارة الداخلية، يعاد تشغيل الأسطوانة المعتادة: “البناء قديم”، في محاولة للهروب من المحاسبة وتفادي أي هدم أو إغلاق للآبار العشوائية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن عددا من الفيلات والمباني الحديثة قد شيّدت ليلا بعيدا عن الأنظار، دون تراخيص أو احترام لقوانين التعمير. يترك الزمن ليثبّت الأمر الواقع، ثم تستعمل هذه البنايات لاحقا كورقة ضغط أو وسيلة للمطالبة بتعويضات مرتفعة عند تسوية الوضع العقاري أو تصفية أراضي الجموع.

هذه الممارسات تفتح الباب لتساؤل كبير حول دور وكالة الحوض المائي بمراكش، وكيف يمكن لآبار هائلة أن تحفر وتستغل دون تراخيص ولا خرائط ولا دراسة أثر بيئي، ودون أي تدخل يذكر. الصمت هنا، سواء كان تهاونا أو تغاضيا، يساهم بشكل مباشر في استنزاف مورد مائي استراتيجي تحتاجه المنطقة بأكملها، خصوصا في ظل الجفاف وتغير المناخ.

وفي الوقت الذي تسعى فيه المملكة لإبراز صورة دولة حديثة ومتقدمة استعدادا لاحتضان كأس العالم 2030، يظهر الواقع القروي في بعض المناطق، مثل دوار بوعيشة، على النقيض تماما. فانتشار البناء العشوائي، والاستغلال غير المشروع للأراضي، وحفر الآبار دون ترخيص، كلها مظاهر تعكس تعثرا في فرض هيبة الدولة وتطبيق القانون بشكل عادل ومتوازن، وتهدد بشكل مباشر أسس التنمية المستدامة.

ومع تواصل هذا الوضع، يصبح التدخل العاجل ضرورة لا تحتمل التأجيل. المطلوب فتح تحقيق نزيه حول إدراج أسماء غير مستحقة ضمن لوائح ذوي الحقوق، وهدم البناءات المخالفة، وطمر الآبار العشوائية، ومحاسبة كل المتورطين إداريا وسياسيا، وحماية أملاك الجموع من الاستغلال غير المشروع وإعادتها لأصحابها الشرعيين. فاستمرار هذا التراخي يشكل نقطة سوداء في سجل الحكامة الترابية والعدالة المجالية.

Comments (0)
Add Comment