خسارة مزدوجة للمغرب… رحيل نزهة أبا كريم يهزّ المشهدين السياسي والتربوي ..

.
بقلم توفيق مباشر
في صباح يوم السبت الرابع من أبريل الجاري، ارتسمت سحب الحزن على سماء الساحة السياسية والتربوية في إقليم تيزنيت، مع إعلان نبأ وفاة البرلمانية نزهة أبا كريم، التي كانت تنتمي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي. لقد شكل هذا الخبر المفجع صدمة للكثيرين، خاصة ممن عرفوا الفقيدة عن قرب أو تابعوا مسيرتها المهنية والاجتماعية. إن رحيل شخصية عامة بهذا الحجم لا يترك فراغًا في محيطها المباشر فحسب، بل يمتد أثره ليشمل المجتمع بأسره، تاركًا وراءه إرثًا من الذكريات والإنجازات التي تستحق التوقف عندها وتأملها.
لقد وافت المنية البرلمانية نزهة أبا كريم في إحدى مصحات مدينة أكادير، لتختتم بذلك رحلة حياة حافلة بالعطاء والتفاني. ومن المقرر أن تقام صلاة الجنازة على الفقيدة يوم الأحد الخامس من أبريل الجاري، ظهراً في مسجد السنة بتيزنيت، ليتبعها موارات جثمانها الثرى في مقبرة إكرارن سيدي عبد الرحمان. هذه التفاصيل التنظيمية، رغم أنها تبدو روتينية، إلا أنها تحمل في طياتها ثقلاً عاطفيًا كبيرًا، فهي تمثل اللحظات الأخيرة لتوديع شخصية تركت بصمة واضحة في الحياة العامة.
إن الحديث عن البرلمانية نزهة أبا كريم يستدعي استعراض جوانب متعددة من مسيرتها. كعضو في البرلمان، كانت لها أدوار تشريعية ورقابية تهدف إلى خدمة المواطنين والدفاع عن قضاياهم. وغالبًا ما تتطلب هذه الأدوار شجاعة وكياسة وقدرة على التفاوض والإقناع، وهي صفات يُفترض أن تكون متوفرة لدى كل من يتصدى لمثل هذه المسؤوليات. إن العمل البرلماني، في جوهره، هو ترجمة حية للإرادة الشعبية، ويمثل وسيلة أساسية للمشاركة في صنع القرار وتمثيل طموحات الناخبين.
إلى جانب دورها السياسي، أشارت المعلومات المتوفرة إلى أن الفقيدة كانت تنتمي إلى الساحة التربوية. وهذا البعد يضيف طبقة أخرى من الأهمية لمسيرتها. فالمعلمون والمربّون هم بناة المستقبل، وهم من يزرعون بذور العلم والمعرفة في عقول الأجيال الصاعدة. إن الجمع بين الانخراط في العمل السياسي والعمل التربوي يعكس عادةً شخصية تسعى لخدمة المجتمع على مستويات مختلفة، وتسعى لإحداث تغيير إيجابي في حياة الناس من خلال التعليم والمشاركة في الشأن العام.
إن وفاة شخصية مثل نزهة أبا كريم تثير تساؤلات حول طبيعة العطاء السياسي والاجتماعي. فكم من الوقت والجهد يبذل هؤلاء الأفراد في سبيل خدمة قضايا مجتمعاتهم؟ وكيف يمكن تقييم الأثر الذي يتركونه؟ غالبًا ما لا تظهر النتائج المباشرة لهذا العمل إلا بعد سنوات طويلة، وقد لا تحظى دائمًا بالتقدير الكافي في حياتهم. إن فقدان شخصية مثلها يدفعنا للتفكير في أهمية تذكر الإسهامات الإيجابية للأفراد الذين نذروا أنفسهم لخدمة وطنهم ومجتمعهم، وتقدير جهودهم.
من الجدير بالذكر أن الانتماء إلى حزب سياسي معين، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي في حالة البرلمانية الراحلة، يحدد توجهاتها السياسية ومنهجها في العمل. كل حزب له رؤيته الخاصة للمجتمع ودوره في تطويره. والعمل ضمن إطار حزبي يتطلب التزامًا بالمبادئ والأهداف التي يتبناها الحزب، وفي نفس الوقت، يتطلب قدرة على التفاعل مع القضايا الوطنية الأوسع. لقد كانت نزهة أبا كريم، بانتمائها هذا، تمثل جزءًا من المشهد السياسي المغربي، وتسهم في تنوعه وتفاعلاته.
إن إقليم تيزنيت، الذي كانت الفقيدة تمثله، يشهد حالة من الحزن العميق. وهذا يعكس ارتباطها الوثيق بالمنطقة وسكانها. غالبًا ما يكون التمثيل البرلماني شكلاً من أشكال الوكالة، حيث يكون النائب مسؤولاً عن نقل صوت منطقته إلى قبة البرلمان والدفاع عن مصالحها. وهذا يتطلب تفاعلاً مستمرًا مع هموم المواطنين وتحدياتهم. إن فقدان ممثل لهم يشكل خسارة حقيقية، وقد يؤثر على استمرارية بعض المشاريع أو المبادرات التي كانت قد بدأت.
في عالم السياسة، غالبًا ما تتعرض الشخصيات العامة لضغوط كبيرة، وتحديات لا حصر لها. تتطلب هذه المهنة قدرة على التحمل، ومرونة في مواجهة الانتقادات، وإصرارًا على تحقيق الأهداف. كما تتطلب قدرة على التكيف مع المتغيرات السريعة التي تشهدها الساحة السياسية. إن نزهة أبا كريم، مثل غيرها من الشخصيات التي تخدم في المجال العام، لا بد وأنها واجهت هذه التحديات، وربما استطاعت التغلب على الكثير منها من خلال عملها الدؤوب والتزامها.
إن وفاة البرلمانية نزهة أبا كريم تذكرنا بالهشاشة الإنسانية، وبأن الحياة قصيرة جدًا. حتى في خضم الانخراط في معترك السياسة والعمل العام، يظل الإنسان فانيًا. وهذا يدعونا إلى التفكير في قيمة الوقت، وفي كيفية استغلاله فيما ينفع، وفي ترك بصمة إيجابية في العالم. إن الإرث الذي تتركه الشخصيات العامة لا يقاس فقط بالإنجازات المادية، بل أيضًا بالقيم التي جسدتها، وبالتأثير الذي أحدثته في نفوس الآخرين.
يمثل رحيل البرلمانية نزهة أبا كريم خسارة للمشهد السياسي والتربوي في إقليم تيزنيت وللمغرب ككل. إنها مناسبة للتعبير عن أحر التعازي والمواساة لأسرتها وأقاربها وزملائها. كما أنها فرصة للتأمل في مسيرة حياة كرسها صاحبها لخدمة المجتمع. إن ذكراها ستبقى حية في قلوب من عرفوها، وإسهاماتها ستظل جزءًا من تاريخ المنطقة. إن الترحم عليها والدعاء لها بالرحمة والمغفرة هو أقل ما يمكن تقديمه لشخصية تركت بصمة واضحة في الحياة العامة.

Comments (0)
Add Comment