خزانة القرويين .. منارة علمية وذاكرة عريقة للتراث المكتوب بقلب مدينة فاس

تشكل خزانة القرويين بفاس التي قام صاحب الجلالة الملك محمد السادس اليوم الأربعاء بتدشينها بعد انتهاء عمليات الترميم الواسعة التي خضعت لها، إحدى المنارات العلمية العريقة للتراث المكتوب التي تتواجد بقلب المدينة العتيقة .

وتجسد خزانة القرويين الحالية التي أسسها السلطان محمد الخامس امتدادا للخزانة السعدية التي ظلت لقرون عديدة تحتل جناحا داخل جامع القرويين الذي يعد من بين أقدم الجامعات في العالم العربي والإسلامي .

وتضم هذه الخزانة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الثامن للهجرة والتي اقترن اسمها دائما بجامع القرويين باعتبارها ظلت لقرون عديدة تحتل جناحا داخل هذا الجامع الذي كان ولا يزال أحد اقدم الجامعات في العالم نفائس ثمينة من التراث المكتوب والمخطوطات القديمة إلى جانب رصيد من الوثائق النادرة التي لا يوجد بعضها إلا بين رفوف هذه الخزانة العريقة والتي تعتبر تراثا ثمينا لا يقدر بثمن .

وتشكل هذه المعلمة التاريخية والحضارية التي تأسست سنة 750 هجرية على يد السلطان أبي عنان المريني وجهة علمية لا محيد عنها للطلبة والباحثين والأكاديميين سواء من المغرب أو من الخارج والذين يفدون إليها لنهل العلوم والمعرفة من المضان التي تتواجد بهذه الخزانة بالنظر لما تضمه من مخطوطات بعضها فريد من نوعه .

وحسب العديد من الدراسات والأبحاث التي اهتمت بهذه المنارة العلمية الفريدة من نوعها وما تضمه من نفائس وذخائر فإن خزانة القرويين التي عرفت على مر القرون العديد من عمليات الترميم والتوسيع والإصلاح تتوفر على حوالي 4000 مخطوط مفهرسة بطريقة إلكترونية علمية وحديثة وهي فهرسة دقيقة وشاملة تهدف بالأساس إلى تسهيل عملية البحث على الطلبة والباحثين الذين يقصدون الخزانة لإنجاز أبحاثهم ودراساتهم .

ومن بين الذخائر النادرة من المخطوطات التي توجد في رفوف خزانة القرويين مصحف كريم نادر يعود إلى نهاية القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث مكتوب بماء الذهب على رق الغزال بخط كوفي قديم ولا توجد أية نسخة مطابقة لهذا المصحف الكريم في أية خزانة أخرى سواء داخل المغرب أو خارجه.

كما تضم الخزانة بين رفوفها نسخة فريدة من كتاب ( العبر ) لابن خلدون الذي حبسها شخصيا على خزانة القرويين حين كان يقيم ويدرس بمدينة فاس حتى يستفيد منها جميع رواد الخزانة وميزة هذه النسخة أنها ممهورة بتوقيعه بخط يده وقد تم اختيار هذا المخطوط من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو ) ضمن التراث العالمي الإنساني من خلال برنامج ( ذاكرة العالم ) .

وموازاة مع هذه الدرر والنفائس من المخطوطات التي لا تزال شاهدة على غنى وتفرد الموروث الحضاري للعاصمة العلمية والروحية للمملكة تضم هذه الخزانة مخطوطا نادرا عبارة عن أرجوزة طبية كتبها ابن طفيل وهي النسخة الوحيدة المعروفة في العالم لهذا المفكر والفيلسوف والطبيب التي كتبها بطريقة رجزية وضمنها من خلال أبيات شعرية وصف لمختلف الأمراض والأسقام التي كانت معروفة في عصره وأعراضها وطرق ووسائل علاجها .

كما تزخر هذه المعلمة التاريخية والحضارية بنفائس أخرى من المخطوطات من بينها مخطوط لكتاب ابن رشد ( البيان والتحصيل ) وهي نسخة سلطانية فريدة وجميلة جدا مكتوبة على رق الغزال ومذهبة وتم اعتمادها في تحقيق هذا الكتاب الذي طبع في عدة مجلدات بالإضافة إلى إنجيل مكتوب باللغة العربية يعود إلى القرن 12 الميلادي إلى جانب مجموعة من المطبوعات الحجرية القيمة والنادرة والتي يقدر عددها بحوالي 600 مطبوع حجري .

Comments (0)
Add Comment