حين يتحوّل الصوت إلى وثيقة تسجيل يعرّي منطق التحريض داخل الأسرة

 

قراءة في تسجيل صوتي يكشف تصدّع صلة الرحم تحت ضغط التجييش والتحريض

بقلم: أبو أمين – بيان مراكش

في سياق السلسلة الصحفية التي نشرتها سابقًا جريدة بيان مراكش حول صلة الرحم الممنوعة، وما رافقها من وقائع عائلية معقّدة اختلط فيها الخاص بالعام، والأخلاقي بالإنساني، تبرز اليوم حلقة جديدة لا تقل خطورة عمّا سبقها، عنوانها: حين يتحوّل الصوت إلى وثيقة.
ليس أخطر ما في النزاعات العائلية حدّتها، بل تحوّلها من خلاف طبيعي إلى منظومة تحريض، ومن اختلاف في الرأي إلى فضاء مغلق تُدار فيه سلوكيات إقصائية، وتُصاغ فيه الأحكام المسبقة، ويُستبدل فيه ميزان الحكمة بمنطق الشحن والتأليب.
ويأتي هذا المقال توثيقًا للوقائع، وحمايةً للذاكرة من الإنكار، ومحاولةً لوضع حدّ للعبث الأخلاقي الذي قد يُمارَس أحيانًا باسم العائلة، لأن التاريخ والدين والقانون يلتقون عند حقيقة واحدة:
الكثرة لا تمنح الشرعية، والصمت لا يُلغي الحقيقة، والتحريض – مهما طال – غالبًا ما يرتد على أصحابه.
تكشف الوقائع أن دائرة هذا النزاع لم تتوقف عند جيل الإخوة، بل امتدت – للأسف – إلى بعض الأبناء، رغم محاولات سابقة لتحييدهم عن هذا الصراع. كما سُجّلت تهديدات خطيرة وممارسات ضغط نفسي داخل فضاء المنزل، خلقت مناخًا متوترًا خلال زيارات صلة الرحم، وهو ما يفسّر تباعد هذه الزيارات وقِصر مدتها.
الأكثر إيلامًا في هذه الحلقة، أن التسجيل الصوتي جاء ردًّا غير مباشر على مبادرة مكتوبة بخط يد الوالد، دعا فيها إلى التسامح وطلب الصفح، ومدّ اليد لكل من أراد طيّ صفحة الخلاف، مطالبًا الرافضين بالكف عن الأذى. إن عدم التفاعل الإيجابي مع هذه المبادرة لا يمكن قراءته إلا بوصفه خيبة أمل عميقة، ومؤشرًا على صلابة الرغبة في الاستمرار في مسار الإقصاء بدل المصالحة.
ومن يقرأ هذا التسجيل في سياقه الكامل، لا يمكنه عزله عن المسار الذي سبق توثيقه في مقالات منشورة، من بينها مقال «حين تُغلق الأبواب»، حيث استُعمل مفهوم “الأمانة” في لحظة سابقة ذريعةً للإقصاء، ولا عن مقال «بين الاستغلال وصلة الرحم الممنوعة» الذي طرح سؤالًا مؤلمًا:
متى تتحول صلة الرحم إلى منع بدل أن تكون حقًا؟ وكذلك مقال “حين تغلب الدم على المحاكم: إلغاء شكاية حفاظًا على الأسرة”
التسجيل، في هذا السياق، ليس مجرد مادة متداولة داخل مجموعة عائلية مغلقة، بل وثيقة دالّة، تكشف كيف يمكن للكلمة، حين تُنزَع عنها المسؤولية، أن تتحول إلى أداة أذى معنوي بالغ.
ويتضمن التسجيل، وفق قراءة تحليلية هادئة:
أوصافًا تمس السمعة والاعتبار دون سند قضائي
خطابًا مشحونًا بالإقصاء والكراهية
عبارات تمس الكرامة الشخصية
محاولات ضغط نفسي ومعنوي موجّهة نحو الوالد، لدفعه إلى اتخاذ مواقف قطيعة مع ابنه البكر
استعمال خطاب ديني في غير سياقه الأخلاقي، من خلال عبارات دعاء بالشر، قيلت قبيل أذان المغرب، في مفارقة مؤلمة بين الخطاب والممارسة
ومن بين تلك العبارات دعاء يتضمن تمني “الابتلاء الشاغل”، بما يحمله من دلالة أخلاقية ثقيلة، ويكشف كيف يمكن لبعض الخطابات أن تعطل أي أفق للتسامح، لأن محرّك الفتنة لا يعيش إلا على استمرار النار.
شارك في هذا التسجيل عدد من الأطراف العائلية، من بينهم زوجة أحد الإخوة. وتشير قراءة هادئة لمحتواه، ومن خلال نبرة الصوت وتسلسل المداخلات، إلى أن أحد الأصوات النسائية كان حاضرًا بكثافة، موجّهًا لمسار النقاش، ومكثّفًا لحدّته كلما اتجه نحو التهدئة.
ولعل ما يجدر التذكير به في هذا السياق، أن كثرة العدد لا تعني الحق. فقد كان إخوة يوسف عليه السلام أكثر عددًا، ومع ذلك لم يكن يوسف ظالمًا ولا مارقًا. والتاريخ، كما القصص القرآني، يعلّمنا أن التحريض الجماعي لا يصنع عدالة، وأن الصبر على الأذى لا يعني الاعتراف به.
اللافت في هذا التسجيل، ليس فقط ما قيل فيه، بل ما لم ينجح في تحقيقه. فرغم تعدد محاولات الضغط، والدعوات الصريحة في بعض المقاطع إلى القطيعة، ظل الوالد ثابتًا في موقفه الإنساني، متمسكًا بصلته بابنه، غير مستجيب لدعوات الإقصاء، في مشهد نادر وسط هذا الكم من الشحن والتأليب.
وفي دهاليز التسجيل، أُطلقت كلمة أثقل من الحقيقة نفسها: «مجرم». كلمة قيلت بلا حكم قضائي ولا متابعة، في حق رجل بلغ من العمر ما يكفي ليكون أرشيفًا حيًّا لمسار مهني طويل داخل الجامعة المغربية، حيث عُرف بالكفاءة والاستقامة وحسن السيرة.
والمفارقة أن هذا الوصف صدر عمّن ارتبط اسمه سابقًا بواقعة إغلاق باب منزل الوالد بدعوى “الأمانة”، في ليلة كادت تنتهي بكارثة لولا لطف إلهي، وهي الواقعة التي خُلّدت في مقال سابق بعنوان «حين تُغلق الأبواب».
أمام خطورة ما ورد في التسجيل، اختار صاحب هذه الشهادة مسار التنبيه والتوثيق الصحفي بدل اللجوء المباشر إلى القضاء، فبعث برسالة تنبيه إلى الطرف الذي صدر عنه الدعاء والتحريض، ذكّره فيها – بلغة هادئة – بأن الدعاء بالظلم ليس من الدين، وأن الأذى المعنوي لا يضيع دون أثر، وأن الله لا يرضى بالظلم.
كما وُجّهت نسخة إخبارية من مضمون التسجيل إلى أحد الإخوة، من باب إبراء الذمة وتوضيح الصورة، دون زيادة أو نقصان.
وللتذكير، فإن هذه الوقائع ليست معزولة عن سياقها، إذ سبق لجريدة بيان مراكش أن تناولت جانبًا من هذه المأساة العائلية في مقال موثق بعنوان «بين الاستغلال وصلة الرحم الممنوعة».
إن التسجيل الصوتي، بما يحمله من مضامين، هو شهادة على مرحلة، ودليل على أن بعض المعارك لا تُخاض بالسلاح، بل بالصبر، وبالكلمة، وبالقانون، وبالامتناع عن الانحدار إلى المستنقع نفسه.
وهو قبل كل شيء محاولة لفهم كيف يمكن للصوت، حين ينفلت، أن يتحول إلى وثيقة، وكيف يمكن للأخوة، حين يغيب ميزان الحكمة، أن تنزلق إلى حلقة أخرى من ما يمكن توصيفه مجازًا بـ”معركة مع الضباع”

Comments (0)
Add Comment