حين تفضح الميكروفونات السياسة!* .

*

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

يبدو أن السياسة المغربية دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها المؤتمرات الحزبية وحدها تصنع الأخبار، ولا الخطب الرسمية وحدها تصنع الجدل.
اليوم، قد تكفي دقيقة من تسجيل صوتي، أو جملة مرتجلة، أو زلة لسان، أو رقم قفز فجأة من 500 إلى 5000 درهم، لكي تهتز مواقع التواصل الإجتماعي، وتبدأ حفلة التعليق والسخرية والتأويل.

خلال الأيام الأخيرة، وجد المغاربة أنفسهم أمام مشهد سياسي يستحق التأمل:
«تسجيل صوتي يقال أنه منسوب إلى “رشيد الطالبي العلمي” (رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار)، وآخر يقال أنه منسوب إلى “محمد أوزين”، ثم عبارة لـ”فاطمة الزهراء المنصوري” حول “فوزي لقجع” تحولت إلى مادة واسعة للتداول والسخرية، وصولا إلى تصريح “العيدودي”، الذي تحدث فيه عن جعل الدعم 5000 درهم للفرد عوض 500 درهم!
وبعيدا عن صحة التسجيلات المنسوبة إلى أصحابها، والتي تظل بحاجة إلى التحقق والتثبت، وبعيدا أيضا عن ٱجتزاء العبارات من سياقها، فإن المشترك بين هذه الوقائع كلها ليس الأشخاص بقدر ما هو أزمة الخطاب السياسي عندما يخرج عن لغة المسؤولية ويدخل منطقة الإرتجال والمزايدة.
لقد أصبحنا أمام سياسة تنتج أحيانا من الكلام أكثر مما تنتج من البرامج.
سياسي يتحدث، فينتشر كلامه.
آخر يسجل له حديث، فينتشر التسجيل.
ثالث يطلق عبارة غير موفقة، فتتحول إلى مادة للسخرية.
ورابع يرفع سقف الدعم من 500 إلى 5000 درهم، فيجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط:
– واش حنا فبرنامج ٱنتخابي ولا فمزاد علني؟!

المشكلة هنا ليست أن السياسي يقترح رفع الدعم، هذا حقه.
وليست المشكلة في أن يطالب بتحسين القدرة الشرائية للمواطن، هذا واجبه.
لكن، السياسة الجادة لا تقاس بحجم الرقم الذي يقال أمام الجمهور، وإنما بحجم القدرة على تحقيقه.
500 درهم رقم.
5000 درهم رقم.
لكن بين الرقمين توجد ميزانية دولة، وموارد مالية، ونفقات عمومية، وحسابات ٱقتصادية، وآلاف الأسئلة التي لا يمكن حلها بالتصفيق.
فالمواطن المغربي ليس بحاجة إلى من يقول له: «سنعطيك أكثر».
بل يحتاج إلى من يشرح له:
– كيف؟ ومتى؟ ومن أين؟ ولماذا؟
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
أما إذا أصبح النقاش إلى منافسة في رفع سقف الوعود، فقد نصل ذات يوم إلى أن يقول أحدهم للمواطن:
«لماذا 5000 درهم، سنعطيك 50 ألف درهم!»
وعندها لن يبقى أمام وزارة المالية إلا أن تبحث عن آلة حاسبة قادرة على تحمل الصدمة!
لكن دعونا ننتقل إلى التسريبات، إذا صحت التسجيلات المنسوبة إلى أصحابها، فالموضوع خطير ويستحق التوضيح.
وإذا كانت مفبركة أو مجتزأة، فالموضوع أيضا خطير ويستحق التوضيح.
يعني، في الحالتين:
(المواطن من حقو يعرف الحقيقة).
لأننا لم نعد نعيش في زمن يمكن فيه أن يقال الكلام في جلسة مغلقة، ثم يختفي مع فنجان القهوة.
اليوم، حتى «جلسة النميمة السياسية» يمكن أن تصبح خبرا وطنيا قبل أن يبرد أتاي النعناع!
الهاتف أصبح حاضرا في كل مكان..
والميكروفون لم يعد يحتاج إلى منصة..
والكاميرا لا تحتاج إلى صحفي..
والتسجيل لا يحتاج إلى ٱستوديو..
وما قيل بين أربعة جدران قد يصل إلى ملايين الهواتف في ساعات.
أما زلة اللسان، فهذه قصة أخرى.
“فاطمة الزهراء المنصوري” قالت عبارة غير موفقة بشأن فوزي لقجع، فتحولت الجملة إلى مادة للتداول والسخرية.
هل العبارة وحدها هي المشكلة؟
طبعا لا.
فالسياسي يمكن أن يخطئ، ويعيد صياغة كلامه، ويعتذر أو يوضح.
لكن المشكلة في شيء أكبر:
حين يصبح الإرتجال جزءا من الخطاب السياسي.
السياسة تحتاج إلى ذكاء في ٱختيار الكلمات، لأن كلمة واحدة قد تفعل ما لا يفعله برنامج ٱنتخابي كامل.
والمغربي معروف بشيء واحد:
(إلى شدات فيه كلمة، ما كتفلتش بسهولة!).
• قد ينسى ٱسم البرنامج، لكنه لن ينسى العبارة التي ضحك عليها مع أصدقائه في المقهى.
• وقد ينسى مئة صفحة من الوعود، لكنه يتذكر رقما قيل له بحماس ثم لم ير له أثرا في جيبه.
وهنا تصبح مواقع التواصل الإجتماعي مرآة قاسية للسياسة.

السياسي يرى نفسه في التلفزيون، لكن المواطن يراه في «الفايسبوك» و«والواتساب» و«التيك توك».
السياسي يقرأ خطابه.
المواطن يعيد نشر زلته.
السياسي يشرح مشروعه.
المواطن يرسل لصديقه مقطعا مدته عشرون ثانية ويقول:
«شوف آش قال!»
وهكذا تصبح عشرون ثانية أقوى من عشرين سنة من الخطاب السياسي، لكن وسط كل هذه الضجة، هناك شيء يجب ألا ننساه:
«المواطن المغربي ليس مهرجا في مسرح ٱنتخابي».
إنه صاحب حق في معرفة الحقيقة.
ولا يريد من السياسي أن يكون شاعرا في الوعود، ولا ساحرا في الأرقام، ولا بطلا في «الترند».
يريده فقط أن يكون صادقا، واضحا، وقادرا على تنفيذ ما يقول.
لأن الفرق بين السياسي الجاد والسياسي الذي يعيش على الكلام بسيط جدا:
الأول يسأل قبل أن يعد:
– هل أستطيع؟
والثاني يعد أولا، ثم يبحث لاحقا عن جواب لسؤال:
– ومن أين سنأتي بالمال؟

ولذلك، فإن هذه التسريبات والتصريحات والزلات ينبغي ألا تكون مجرد مادة للضحك… ينبغي أن تكون فرصة لمراجعة الخطاب السياسي كله.
فإذا كان السياسي يريد ٱحترام المواطن، فعليه أن يحترم عقله.
وإذا كان يريد صوته، فعليه أن يقدم له برنامجا لا (ترندا).
وإذا كان يريد ثقته، فعليه أن يقدم له الحقيقة، لا مجرد رقم جميل.
فالمغاربة اليوم يسمعون ويرون ويقارنون.
والهاتف الذي يحمله المواطن في جيبه قد يكون أقوى من منبر حزبي كامل.
فمن كان كلامه متماسكا لن يخشى التسجيل.
ومن كانت وعوده محسوبة لن يخشى الأرقام.
ومن كان خطابه مسؤولا لن يخشى زلة عابرة.
أما أن تصبح السياسة عبارة عن تسجيلات مسربة، وتصريحات مرتجلة، وأرقام ٱنتخابية ضخمة، وعبارات تتحول إلى (ترند)، فهذه ليست علامة قوة سياسية، إنها علامة على أن شيئا ما يحتاج إلى المراجعة.
والأخطر أن المواطن قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يصدق أحدا.
وهذه هي الكارثة الحقيقية، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ليس أن يسخر المواطن من سياسي.
بل أن يفقد المواطن ثقته في السياسة نفسها.
عندها لن تنفعه 500 درهم ولا 5000 درهم.
ولن تنقذه الخطب ولا البلاغات.
ولن تستطيع مواقع التواصل أن تعيد الثقة بمجرد حذف تسجيل أو تفسير تصريح.
السياسة في النهاية ليست مسابقة في البلاغة، ولا بطولة في (الترند)، ولا مزادا في الوعود.
السياسة مسؤولية.
والكلمة مسؤولية.
والرقم مسؤولية.
والتسجيل مسؤولية.
والمنصب، قبل كل شيء، أمانة أمام المواطن.
وفي النهاية، قد تغلق الميكروفونات، وقد تحذف التسجيلات، وقد تبرر التصريحات، وقد ترمم زلات اللسان…
لكن ذاكرة المواطن لا تحذف بزر.
فمن أراد أصوات المغاربة، فليتوقف عن معاملتهم كأرقام في صناديق الإقتراع، وليبدأ معاملتهم كعقول تراقب وتحاسب.

لقد أصبح لكل سياسي ميكروفون، ولكل مواطن هاتف، لكن الفارق أن السياسي يملك لحظة الكلام، بينما المواطن يملك ذاكرة الإنتخابات.
والرسالة الأخيرة بسيطة:
لا تخافوا من أن تسجل أصواتكم… خافوا أن يسمع المغاربة ما تقولونه فعلا!
لأن يوم الحساب السياسي، لن يسأل المواطن:
– من كان أكثر بلاغة؟
بل سيسأل سؤالا واحدا:
– شنو قلتي… وشنو درتي؟.

Comments (0)
Add Comment